الطريق إلى بلحارث والحواس الخمس ..... هذه الرواية الصغيرة والعميقة تجرك بتلابيبك إلى عمقها السحيق ...فقد تعاقدت تعاقداً منسجماً مع الحس الخمس . فترى جدة قبل عقود الشوارع ، السيارات والأنوار والمقاهي ، ترى طريق الجنوب الصباخ الرمال الجبال ، ترى بعرة السمينة وظفرة المثيرة. تسمع أصوات الضوضاء وعجلات السيارات وأصوات الفناجين في المقاهي وصياح القهوجي وصوت القحم وأصوات الباعة في سوق (الثلوث ) وصوت الزير يدوي في الأرجاء تسمع صوت الرعد والريح وهذيان الحمى القاتلة.... في هذه الرواية يلسعك مذاق العرق المحلي ويؤذي أسنانك برودة الكولا المثلجة ويلذع خملات لسانك طعم القات والشاي المحروق !! تشم في الطريق إلى بلحارث رائحة الحطب والنرجيلة ورائحة الجسد الذي بدأ يتعفن ... ورائحة الأرض المبلولة التي تشد وتجلد بسوطٍ من الذكريات القديمة . وفيها تحس بحنان نادية وحرارة ظفرة وبرود المكان وألواح الثلج المحمولة وأيام الفوح والرطوبة القاتلة. *قصة الورقة : عندما انتهيت من قرأت هذه الرواية ،كان هناك شيء يناديني ويقول : لماذا لا تبحث عن مقهى القوزين ؟ كنت متردداً في الذهاب ، لقد تجاوزنا الألفية الثانية مقهى القوزين ربما أصبح الان مجمع سكني أو محلات تجارية وإذا كنت متفائلاً سوف تكون آثراً بعد عين على أقل تقدير !! في أحد الأيام ركبت سيارتي الشوارع مزدحمة ومدينتي (( دائمة الظمأ للحظة استرخاء وسكون )) توجهت إلى حي السبيل وإلى القوزين بالخصوص سلكت شارع المخزومي المسمى سابقاً بشارع القنفذة ، أوقفت سيارتي على جانب الطريق وأخذت جريدتي وأوراقي ، دخلت الشوارع و مررت بالأزقة سألت الوافدين هناك لم يسعفني أحدهم بإجابة . تذكرت عماد الساقي عندما قال : (( مقهى القوزين كالسمكة كلما حانت لحظة اصطيادها ضاعت من جديد )) وفجأة مر بي شاب قد لفحته شمس السبيل جيداً فقلت في نفسي وجدت ضالتي وفعلاً تقدمت وسألته فدلني على المكان . ذهبت إلى نفس المكان وجدت بوابه قديمة صدئه ويعلوها لوحة كتب عليها ( قهوة الجنوب ) . دخلت المقهى تفاجأت لقد دخلت بوابة الماضي فعلاً الكراسي مجدولة بالحبال والسعف بعضها متهالك وبعضها معتمد على الآخر ، وجدت عم جابر ووجدت البقر والغنم في الزاوية لازالت الأوساخ والروث الحيواني كما هو من أيام جمال ناجي ، لا يوجد شيش لا يوجد رواد روادها هم هم من قبل أربعين خمسين سنة ولم يبقى إلا قليل منهم فقد انتزعهم الموت واحداً تلو آخر قهوة القوزين أصبحت وقف لعابري السبيل والمقطوعين من الشجر . قال لي عم جابر : -لقد مات صاحب القهوة قبل ثلاثة أيام ، وليس فيها إلا أنا وهذا الرجل . وأشار إلى كومة من العظام رجل مستلقي تحت ناموسية . -أنه رجل من أهل الجنوب أنه من جماعتك له ثلاثة عقود في هذا المكان !! معقول هذا هو المقهى الذي قال عنه جمال ناجي : ((هي مقر سماسرة الطرق وسائقي الرمال المقهى يغص بالرواد ، رجال يأكلون اللحم والأرز و آخرون يتباحثون وقد بدت على وجههم ملامح الجد )) المفاجأة عقدت لساني وهزت كياني ارتقيت على أحد تلك الكراسي بدأ الكرسي تمايل ذات اليمين وذات الشمال حتى استقر . الطريق إلى بلحارث ومعاناة الإنسان : إن المعاناة التي أوردها جمال ناجي في الطريق إلى بلحارث ليست هي معاناة إنسان بلحارث بل هي معاناة الإنسان نفسه .. مهما كان جنسه ولونه وفكره.. في هذه الرواية يسرد لنا المؤلف هموم الإنسان العادي والهامشي والمثقف لايهم التصنيف المهم أن هناك هاجساً ومعاناة وهي تطغى على الكل وبعد ذلك يلجأ الكثير من البشر إلى الهروب من الواقع وطرق كل باب أو سرادق للهروب وإما أن يستسلم الإنسان ويرضى بواقعه والرتابة القاتلة جراء ذلك . إن الرزق وطلب والمعيشة يشكل هماً للإنسان فاهو عماد يهذي فيقول : (( خمسة الآلف ريال لعلني أهذي وكدمات تلك الأيام القاسية الشظفة)) ثم يقول :(( لأول مرة يجتاز حياتي حدث مهم كهذا سأرسل لوالدتي مبلغاً ، تسدد به دينها وسأشتري سريرا وبطانية جديدة تختلف عن هذه التي تغطيت بها في المقهى )) ........ في موطنٍ آخر يسأل منصور علي فيقول : (( لماذا جئت إلى هنا ؟ يرد علي : (( لأنني كنت أريد أن أجمع أكبر قدر من المال )) في الطريق إلى بلحارث الكل يحمل هم الأرض والوطن : حتى الناس البائسين حيث (( يقرب الشيخ رأسه من المذياع بدأ المذيع بصوت رتيب – أعلن مصدر مطلع في القاهرة صباح اليوم بأنه تقرر توقيع اتفاقية سيناء ، ….بصق الشيخ على الأرض ثم هز رأسه )) يتابع المذياع (( من الجدير بالذكر أن الأزمة اللبنانية قد اتخذت إبعاد جديدة بعد ذلك الانفجار الذي هز أنحاء بيروت )) ولا ينسى الإنسان هم وطنه والأعداء وإن كان يخنقه وعثاء السفر . قال الرجل الملتحي : - أشوف عينك ما تفارق البحر يا أستاذ مافي بلادكم بحر ؟ - فيه بحر لكن اليهود احتلوه . - آه يلعن أبو اليهود لك الله يا استاذ مالهم دين . وحتى منصور الذي يعيش خارج الزمان والمكان (( يرسم على ناموسيته خارطة فلسطين لكنها لم تكن متقنة تماماً )) الغربة أيضاً لها شأن آخر : يقول علي :(( ما الهدف يا عماد ؟ ما الهدف ؟ أعيش هنا كالكلب منسي .....)) رغم هذا السواد فهاجس الموت يحوم فوق الرؤوس : يقول علي : (( غريبة هذه الدنيا ، الموت فيها أسرع من الحياة ، كنت سأحتفظ –لولدي- فجر بذكريات فريدة ،عن لحظات ولادته أين ولد متى كيف كل هذا حسبته سبقاً انسانياً ، أذّكر به فجر ، الذي أصر على الموت قبل معرفة هذه الذكريات )) يقول منصور لعلي : - لماذا تضع الموت دائماً نصب عينيك ؟ - لأنه حقيقة . وهاهو الموت أيضاً يظفر بمنصور قبل أن يظفر بظفرة . · إذا تقرر ما سبق .. فإن الإنسان أمام هذا السيل الجارف من هموم الحياة على مفترق طريقين : - إما الهروب من الواقع كـ ( منصور ) . - وإما الاستسلام كــ( عماد ) -والإنسان الصامد هو الذي لا يهرب ولا يستسلم . * فالهروب هنا له عدة طرق وأبواب : أولاً : المقاهي : (( فالمقاهي هي المقر الوحيد لكل الغرباء ، حيث لا وجود للفنادق في القنفذة ، يتآلفون بسرعة عجيبة يرفعون الكلفة بينهم يتأففون باستمرار يطيب لهم الحديث عن خصوصياتهم ويحللون الأمور على أهوائهم )) ثانياً: بوعايض البوابة العظمى لهروب : يقول منصور :(( بوعايض علمني طريقه لصنع الخمر وبوعايض له أصدقاء يأتون بالقات من اليمن ؟ هل تعرف القات ؟ -سمعت به أيام الدراسة ... -انه مركب إلى عالم آخر ينقلك إلى دهاليز غيبية وذكريات لم تحصل ابداً إنه صانع الذكريات لمن لا ذكريات له . )) عندما قرر عماد ألا ينام تحت السقف خوفاً من العقارب والأفاعي ذكر بأن : (( منصور كان يعتقد بان للزواحف أخلاق خاصة بها فهي لا تؤذي النائم وقال لي مرة : -هل سمعت في حياتك أن أفعى أو عقرباً لدغ انساناً نائماً ؟ وكان ينام مطمئناً غير عابيء بهلوساتي !! )) ونجد هذا الهروب عند بوعايض أيضاً : (( كيف شفت بالحارث يا أستاذ عماد ؟ هل أعجبتك ؟ -طبعاً قال : (( لك الله يا أستاذ أنها أحسن قرية في منطقة القنفذة فيها سوق الثلاثاء والغيل بيمر من وسطها والنخيل مثل التراب وبعدين فيها مدرسة ، لك الله أنها أحسن من القنفذة )) رابعاً : ظفرة خندق عميق للهروب : قال منصور عن ظفرة : (( في القنفذة سترى يا عماد جسداً بلورياً امرأة أشهى من الشهوة ذاتها هل سمعت بظفرة ؟ هل تعلم بأني أشتهيها بكل مافي الكلمة من مخاوف وألغام رغم أنها سوداء فاحمة ... ظفرة تضرب عرض الحائط بكل تقاليد القنفذة ظفرة دائمة الفرح ، تقاطيع وجهها تفصح عن فرح مثبت كالوشم . اسم ظفرة مكتوب بالدهان الأحمر على ناموسية منصور ..... مالذي يريد إثباته ؟ ومالذي يدفعه إلى هذا الحب الجنوني لتلك المرأة ظفرة هل يحبها حقاً ؟ هل يشتهيها ؟ أم أنه يريد أن يقول أشياء كثيرة أخفق في قولها في حالات وعية ؟ منصور لا يكف عن التفكير بظفرة لعلها استحوذت على حالات صحوة أيضاً ... منصور أحس بالخوف من لحظة اللقاء بظفرة وكيف سيفك الحوقة عن وسطها ؟ ترى ماذا تلبس تحت الحوقة ؟ إنه يريد أن يظفر بها : (( سأمزق قطعة الشاش الأسود التي تغطي .... سأقبلها كالعشاق واستدعي ...... حرمان السنين العجاف القاتلة )) ظفرة والتي هي طفرة جنسية هائلة تأتي منصور لتلبي رغباته المتوحشة ولكن ((مات منصور وفي جسده تلك الرغبة الجارفة الزاحفة إلى كل أعضائه وأحلامه وهواجسه منصور مات وتلك الأمنية الحارقة خبت في جسده )) هذه نهاية الإنسان دائماً يداهمه الموت قبل أن يحقق أحلامه ويبقى الحلم حلماً حتى وإن كان خارجاً عن القانون !!! عماد المستسلم داهمته الرتابة : حيث يقول : ((تسألت مرة عن سر الكآبة التي تنتابني كل سبت فلم أجد لها تفسيراً ولكني عثرت على سبب واحد هو أن السبت أول أيام الأسبوع وإن كلمة السبت تحمل في طياتها عملاً متواصلاً لمدة ستة أيام )) التردد الداخلي لدى عماد سبب له عجز عن إخراج عواطفة ومشاعرة حيث قال : (( في ليلة التاسع من تشرين ، ذهب منصور لزيارة أصدقائه في إحدى القرى المجاورة وبقيت في البيت حاولت كتابة قصيدة كتبت بضع مقاطع ثم تعقدت قريحتي تذكرت نادية حاولت أستنماء صورتها فلم أفلح خرجت ...كنت أحس بأن رأسي مليء وصدري وبطني كلي محشو بأشياء كثيرة تمنيت لو أستطيع تفريغها على الورق لكنني فشلت أخرجت دفتراً صغيراً يحتوي كل القصائد التي كتبتها أيام الدراسة قرأتها جميعاً ، صنعت فنجان قهوة خرجت مرة أخرى لمشاهدة القمر ، بقي السؤال خرجت مرة أخرى دون أن أدري لماذا أحسست باختناق أمسكت بدفتر القصائد مزقته إلى قطع صغيرة ثم أحرقتها )) * من الطيب ومن الشرير ؟ رغم التيه الذي عشناه سابقاً إلا أن عماد يصفعنا بحقيقة مرة وسؤال عميق بعيد الهوة (( أدير موسيقى (( الطيب والشرير)) – وهي موسيقى لـ ( اينايو مورو كوني ) - أتخيل الفيلم شاهدناه أنا ونادية في عمان )) في هذا الفيلم حدد لنا المخرج المبدع/ سيرجيو ليون من هو الطيب ومن هو الشرير ومن هو القبيح ؟ في الرواية قال عماد :(( رغم كل شيء من هو الطيب ؟ ومن هو الشرير ؟ )) ولم يقل القبيح لماذا لأن القبح من أصبح من المسلمات أصبح شيئاً ملموساً ، حقيقة لامناص منها !! قال عماد: (( رغم كل شيء من هو الطيب ؟ ومن هو الشرير ؟ هذه مشكلة . )) وأقول طبعاً هذه مشكلة متجذره في عمق لكل إنسان سعودياً أم غير سعودي ، هذه المشكلة ليست مشكلة منصور أو بوعايض ، عماد ، هذه المشكلة مشكلتنا نحن أنا وأنت وجميع البشر ثم قال :(( وهنا نبحث عن أنفسنا ربما عن البدائل الغارقة في أعماق الذات )) هنا حاصرنا المؤلف وبدأ في الخنق بدأ يخنقنا نحن الذين نلبس أقنعة مختلفة !!! أخيراً : إن جمال ناجي لم ينقل لنا معاناة إنسان بلحارث فقط بل معاناة الإنسان العربي لذا كان منصفاً في نقل حقيقة المكان والشخوص والمشاعر ، حيث قال مرة : (( معاناة إنسان بلحارث هي معاناتي)) إن الجنوب والذي كان طريقه مليء بقرى التنك قبل ثلاثين عاماً قد أنتقل نقلة حضارية هائلة فلم يعد هناك الآن لا قرى ولا تنك !! هذا هو الجنوب يعلمنا دائماً بكل صراحة ووضوح ودون أي نفاق أو مجاملة كيف يكون الإنسان ؟؟!!!
طفولة وثلاثة دماء!!! مجلة فواصل عدد322 أخي الأول مات اختناقاً بثدي أمه عندما نامت وهي ترضعه ! أخي الثاني ماتت أمه سريعاً ومات هو عندما ارتدى ملابسه لأول يوم دراسي في حياته فلم يرجع الى بيته الحجري لأن الثعبان الذي لقيه في الطريق لم يمهله أن يكمل طريقة الى البيت والحياة ! ترك والدي القرية ولم يتزوج إلا بعد سنوات ثم أتيت الى الدنيا من امرأة أخرى وفي بيت شعبي من بيوتات حي النزلة اليمانية أحد أحياء جدة القديمة كان ذلك في 30/ 3/1398هـ كانت طفولتي كالطيف ، أشياء كالحلم القديم بقية أثاره ، أتذكر عندما كنت في الثالثة أصبتني صعقه كهربائية عندما أدخلت قضيب حديدي في كبينة كهرباء بجوار البيت ، كما أني أتذكر عندما سقطت علي دراجة نارية ( دباب 70) وكدت أن أودع الدنيا، ولأني أحب التراب كثيرا أتذكر أمي عندما كانت تسحبني بالقوة الجبرية إلى الحمام حتى أخذ حماماً محترماً ولا أزال أتذكر بسكوت الأرز في يد بنت الجيران وأتذكر وأنا ألعب بالطائرة الورقية ، وأتذكر جيداً عندما ابتلعت (الهلل ) وكدت أن أهلك ، وأتذكر ذلك اليوم الذي قام فيه قط مشاكس بالتهام طيوري الملونة فلم يترك إلا السيقان الصغيرة ، ولا أزال أتذكر تلك الدامعات على موت عصفوري ( الدرة ) وأتذكر تلك التعازي من جدتي وأقاربي ، أتذكر عندما كانت فتاة من قريباتي ترسم لي (بنك بنثر) وأقوم بالتلوين إني أتذكر دمعاتها عندما تقدم أحد أقاربها بالزواج منها عندها أيقنت أني لن ألون بعد ذلك باللون الوردي . ثم دخلت المدرسة وفي أول سنه أصيب بعقدة الدم فقد مرت علي ثلاثة دمـــــاء في تلك السنة :
الدم الأول : دفعني أحدهم فوقعت على زجاج مهشم فسال الدم .
الدم الثاني : خرجت من باب المدرسة وإذا بدماء على الشارع وكان نتيجة حادث سيارة مع حصان .
الدم الثالث: دماء بشريه على جدار فصلي حادث جنائي أخ قتل أخاه.
كل هذا في السنة الأولى من الدراسة ، هذه لمحات من تاريخ الطفولة .

بمجرد أن فرغت من قراءة ما كتب على الغلاف ازدحمت وتكاثرت الأسئلة في رأسي وتحفزت للتعرف على عالم المرأة في (جانجي).
تجرأت وامتطيت جناح الشوق وحرثت الأسطر من مبدأها لمنتهاها لأعثر على ثماني شخصيات نسائية هم (أم خالد) و(محبوبة السارد) و(محبوبة خالد) والقراصنة الهكر (فات وريمان) وسارة وزوجة حبيب الرحمن والسيدة الأسبانية.
لقد سلكت جانجي منحى معتمدا على تنوع الشخصيات النسائية فهناك المحبوبة والزوجة والأم المرضع والأم الصابرة على بعد ابنها والمحبوبة كعزيزة المجروحة ومحبوبة السارد السعيدة و(الهكر) وأسبانية ومالكة الفندق. وأفغانية متعاونة مع زوجها في إخفاء المطاردين.
بذلك خلا من الإثارة المبتذلة واستطاع الالتفاف على الأعمال الهزيلة والتي لا تحسن إلا التشويق وإثارة الغرائز فهي تعجز عن توظيف المرأة الفاتنة توظيفاً يخدم العمل كدلالة رمزية أو لتبين موقفًا أو شعوراً وحالة نفسية... الخ.
بتذاكي تمكن العمل من تحريك بؤرة التركيز من الجسد للوظيفة.
والملمح الثاني التأرجح (البندولي) الجميل بين الافتتان بالمعشوقة والفقدان للصديق يقول السارد (لا أدري هل كانت خيانة مني للصداقة عندما بدأ الحب يأخذني إليها متنقلا من طور الصداقة الهادئ إلى زوبعة الحب الجارف).
ذاك الحب القادر على أن يحدث الهزة التي تقلب الموازين فلا يعرف القيود ولا يعترف بالحدود الجغرافية ولا الاجتماعية ولا الاقتصادية.
يتحدث السارد عن الحب لصديقه الحميم خالد وهما متجهان لبيت محبوبته (يا عزيزي عش معها الواقع وامزجه بالخيال وعطره بالآمل، الأمل أجمل شيء في هذا الكون).
يشير في ساعة متأخرة من الليل إلى النافذة المضاءة أن محبوبتي ساهرة لتكتب رسالة لي ثم بعلكة دبقة ممضوغة يقذف نافذتها فتتحرك ستائرها ويظهر شقيقها ولا يملكان إلا أن يلوذا بالفرار! وتنتهي قصة ذاك الحب بنهاية سعيدة بأن يتقدم لخطبة محبوبته.
وأما الحب الثاني حب خالد وعزيزة يتعذر علينا أن نلج داخل عوالم هذا الحب كما هو الحال في السابق لأن السارد قد استفاض بنقل حبه الناجح وغض الطرف قليلا عن صورة الحب الآخر.
فنشاهد خالد يكتفي بطرق بابها ليفتح له عمه ويسأله عن بنته. هذا الحب قد انتهى برحيل خالد وبحث وفقدان وبكاء عزيزة عليه مقتصراً على تلك المشاهد اليسيرة دون تكثيف لمشاعرهما النفسية المجروحة.
وبدقة رسمت خطوط لوحة بين الجنسين بأنها مزدوجة فللمجتمع ما يحافظ عليه من تقاليد في الظاهر وللحياة الخاصة استقلاليتها!
ونتلمس من بين ثنايا العمل النزعة الذكورية في تكامل وحضور الشخصية بشكل مكثف بحيث كأنك ترى بعينك الرجال وهي تتحدث أو تتحرك.
أما الحال للشخصيات النسائية فقد كانت من حيث العدد تشكل تواجدا أقل لكن مقنع باعتبار أن الكاتب هو الوحيد الذي يملك الحق في بناء عالمه الروائي لكن لم تتكامل في العمل شخصية نسائية واحدة بل افتقرت إلى أزميل العالم الروائي الذي ينحت ملامح الشخصيات فيجعل لها جسداً يحويها ويبعث الحركة فيها، ويلبسها جيداً متنوعاً وشعراً منوعاً ووجها مليئا بالتعابير أنه الأزميل الذي يكسو أرواح الكلم أجساداً تحيا بها.
تلك اللذة الغائبة تبرز الحاجة لها في تواري ملامح وجه الأم المليء بالحنان وهيئة محبوبة السارد التي لم يذكر اسمها ولا وصفها فلا يمكن أن يعشق خيالاً وحين تجرأ العمل وذكر اسم عزيزة محبوبة خالد وصفت بأنها شبح أسود ينتحب ساعة المغيب وتغطي تلك الهالة الضبابية حتى لا نستطيع أن نفرق بين الصفات التي تميز كل عرق نائي عن الآخر فهناك العربية والافغانية والاسبانية ولكل منها وصفها ومكامن الجمال فيها يمكنني القول بأن حضور المرأة في جانجي كانت حاضرة على مستوى الحدث ومخبأة لم يظهر منها شيء إلا خيالات طيف
ذهبت في المساء إلى الصندقه التي بنيتها أنا ومنصور في الكورنيش الجنوبي المهجور ، على سقف الصندقه عشرات الغربان الواجمة و الجائعة ، عندما اقتربت من الباب طار البعض وبقي البعض !
فتحت الباب جلست على ( الزوليه ) المهترئة ، كان عليها علبة سجائر Lmحمراء و علبة صلصة صغيرة- منفضة- وجرائد قديمة وراديو صغير وفي الزاوية عود رخيص اشتراه منصور من حراج ( التكارنه ).
أخذت الراديو المليء بالغبار مسحته ثم أدرته....
شاعر يتلو قصائد في اعتزال لاعب كرة ويبكي
أدرته مرة أخرى ...
أطفال وشيوخ غزة يعتزلون الحياة......
أغلقته ....
أخذت الجريدة ...
كاتب يتكلم عن الأطفال الذين يموتون من البرد على الحدود الشمالية ...
قلبت الصفحة ...
كاتب سلطة يثني ويمدح بفحش الحكومة لأنها وزعت ( بطانيات ) في العاصمة ...
2
أنا ومنصور تخرجنا من الثانوية العامة ولم تقبلنا جامعة ، كنا نبحث عن وظيفة في الصباح وفي المساء نذهب للصندقه ندخن ونسخر من الدنيا ونعزف على العود أغاني الفرح !!
في أحد الأيام ركب منصور دبابه ( الطرنط ) وحمل معه ملفه الأخضر ، وبينما هو يقطع الشارع داهمته سيارة ( همر ) مظللة و بلا لوحات !!
خرج صاحب السيارة فنظر إلى سيارته ثم إلى منصور المبعثرٌ على الإسفلت وقال :
- الله يعميك ..أنت ما تشوف ..
لم يرد منصور لأن منصور مات ....
مات منصور وماتت معه كل أغاني الفرح !!
التيه في البحر والصحراء قراءة لـ(رياح وأجراس) فهد الخليوي طاهر الزهراني عندما رأيته عرفت أن أصله من الصحراء ولكن غيره البحر كثيراً، الجميل أنه جمع صفات الصحراء الرائعة وترك غير ذلك ثم رضي بعد ذلك، بعد أن نزع أسماله، أن يشق غمار البحر!. لذا لا أتعجب عندما أسمع أنه أخرج عمله الأول بعد ثلاثة عقود!.

قبل أن أسقط على هذه الدنيا كان فهد الخليوي يكتب قصصه، كان يكتبها قبل عقود ويأبى إلا أن ينشرها الآن على مضض لضغط أصدقائه وأحبته عليه لينشرها بعد أن مزق الكثير من نتاجه!. وكأنها رسالة إلى الجيل الصاعد أن الكتابة ليست عملية تغوط!، بل هي تجربة حياة وقراءات تراكمية في رحلة العمر!.
ثم نفاجأ أن النصوص التي كتبت قبل ولادتنا تحمل نفس التقنيات السردية والمضامين الإنسانية والاجتماعية التي نفتقر إليها الآن في قصصنا ونصوصنا الحالية!.
الغريب أن هذه النصوص تنبض إلى الآن. هذا ما أثار كثيراً من علامات التعجب والاستفهام حتى قابلته فعرفت السبب؛ السبب أنه إذا تكلم مع أحد فإنه يغمض عينيه فيعلم المستمع والرائي أن كلماته نابعة من قلبه ومتدثرة بثقافات هائلة، لذا زاد يقيني أنه حين يكتب يكون أبلغ صدقاً وشعوراً. هذا أمر.
الأمر الآخر أنه تنوع في ذكر الجوانب الإنسانية والقضايا الاجتماعية التي أهملنا كثيراً منها بشكل أو بآخر، لا بل تم تأطير الأدب في أمور وقضايا مستهلكة.
في المجموعة القصصية الصغيرة والعميقة جداً للأديب فهد الخليوي نجد أنه تطرق إلى جوانب عدة كـ(الغربة، الاستبداد، الثقافة، الحميمية، التخلف، المرأة، الحضارة، الانتماء، الجمال، الشفقة، الظلم، الظلام، الخذلان...). وذاك أنه مؤمن إيماناً شديداً بأن الأدب لابد أن يسبر أغوار المجتمع وأن يسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في حل قضاياه وإلا أصبح أدباً هشاً مهزوزاً!.
البحر والصحراء في النصوص:
رغم أن أغلب نصوص المجموعة نصوص مفتوحة وكذلك الزمان والمكان إلا أن السارد أو البطل يتطلع إلى ما هو أرحب وأوسع. إنه يبحث عن المكان المطلق والزمان المطلق وذاك أنه يتمتع بروحٍ وقّادة ونفس جامحة إلا أن هذا لا يبلغه مرامه، لأن ما يقصده السارد هو الانطلاق الإنساني -فكرياً وروحياً وثقافياً- لذا ظن في البداية أن المرء يتكيف (مع وحدته، ويتخلص في وهاد الصحراء... ويتحد مع رموز لا نهائية) ولكنه صدم فقد (كانت أصداء الصحراء، تجسد وحدته وتشعره بتفرده) طالما أن الشخص يرزح تحت قيود الجاهلية والتخلف فإن المكان وإن كان بحراً أو صحراء، فإنه سيبقى مقيداً مهما أوتي من مقومات الانطلاق فالاتساع لن يكون ميداناً للانطلاق بل سيكون فراغاً والرمال مهما كانت ناعمة فإنها حارقة، الرياح مزعجة، والأشواك تعلن المحاربة والعداء، حتى في (بقايا الذاكرة) سيصبح (الاتساع والفراغ، والرمال الناعمة الحارقة بصهدها، الجبال البكماء البعيدة، أزيز الرياح، شجيرات الشوك الداكنة التي تدمي شرايين الأقدام) ذكرى موحشة ستكون (سطور من تراث الوأد).
حتى الجمال لا ينال إلا بالعداء أو التعسف الذي ينتهي بـ(سعار مخيف) أو ضياع وهروب كالغزالة التي هربت (مذعورة إلى مجاهل الصحراء).
عندها علم أن (خارج المدينة ليس إلا تيه قاتل وصحارى قاحلة) وأناس (يلوحون برايات سوداء، ويحملون فوق كواهلهم ليلاً حالك وسلاسل غليظة وبقايا وأد قديم).
لذا انطلق إلى المكان الذي تأكد له أنه مأوى للعطشى والمنطلقين إلى اللانهاية، سكن مدينة وليس أي مدينة (كانت المدينة تمتد كشريط من اللؤلؤ بمحاذاة الشاطئ) بعيداً عن الرايات والليالي السود والسلاسل والوأد المرعب، ذهب إلى أناس (قد اكتسبوا المرونة وسيرة التسامح في سلوكهم كما تقتضي طبيعة المدن) ولم يكتف بذلك بل (تزوج أنثى جميلة من أسرة هندية) لا تنتمي إلى البحر بل إلى المحيط!.
(ذهب إلى البحر صديقة القديم وملهمة لكتابة قصيدة ظلت زمناً تختلج في متاهة وجدانه) ثم (سلك الطريق المؤدية إلى البحر وهناك وقف على الشاطئ منصتاً لدمدمة البحر) ثم أخذ ينسج قصيدة لم ينسجها من قبل!.
(كان سرب الطيور يغرد فوق البحر) فجأة (دفعته شدة الرياح للتحليق بعيداً باتجاه الصحراء) نظر فإذا بامرأة تقترب من الشاطئ وتنزع ملابسها الرثة القذرة (قرب الشاطئ المقفر، توغلت عميقاً نحو البحر وهوت) عقدت الدهشة لسانه وهو يتساءل:
هل عاشت في الصحراء مثله؟
هل لعنت الظلام؟
هل وأدت نفسها أم تمارس طقوساً من حريتها؟!.
أخيراً تنتهي مجموعة الخليوي، لتؤكد لنا في النهاية أن التأويل في النصوص المفتوحة غير ثابت، بل هو متحول ومتنوع، وهنا تكمن روعة النص الذي تسبر مكامنه سواء كنت -قارئاً/ ناقداً- دون أن يفرض عليك أحد رؤى معينة أو معاني قد تكون في أحيان كثيرة واهمة!.
* كاتب سعودي
كتابة الرواية هي ملاذ من الضياع
لماذا أكتب الرواية؟سؤال مباغت حد اللطم!!دعني أعمم السؤال أولاً ثم أجيبك، بصراحة لم أكن متردداً في إجابة سؤالك بالتحديد ولكن أردت أن أمهد بالتعميم!!الكتابة في نظري هي عملية خلع للملابس المكدسة فوق ظهورنا ولكل مرحلة ملابسها ومقاساتها ورقعها!! - ربما أنك تعي ما أقول تماماً -. منذ أن علمتني أمي الكتابة بقلم الرصاص على دفتر غير مسطر، كانت تعلمني في الوقت نفسه أن الكتابة ليس لها طريق محدد بتاتاً!!لكل كتابة مغزى، أما الكتابة الروائية شيء آخر يقول نجيب محفوظ عنها: ((هي الملاذ من الضياع...)). عندما أعيش في ضياع أو أعيش في ضياع غيري فإن ملاذي الوحيد هو الكتابة!صحيح أني في طور المحاولة ولكن هذا الطور أعطاني الكثير وخسرت من أجله الكثير بل تألمت من أجله كثيراً لا بل تحملت بعد ذلك تبعات أرعبتني!!إن الكلاب المسعورة التي تهرش دواخلنا وتمزق أفكارنا لن نستطيع أن نردعها ونضمد جراحنا بعد ذلك إلا بالكتابة لهذا ما نكتبه هو مجرد أثر للجراح يا عزيزي!!لماذا بعض الروايات؟ لا نقول الروايات دعنا نقول بعض الأعمال لماذا نشعر أمامها أننا أمام مجرد عبث كلامي بذخ معرفي؟أجوابك، لأن البعض ليس بداخله وريد مبتور يتخبط عجز عن ربطه أو نزعه بالكلية!!المصيبة أنه عندما تكون مضطراً لأن تبكي بوحاً ويسعى أحدهم للجم بكائك لأنه لا هم له في الحياة إلا شنق الكلمات وصلب الأفكار!!
لبابة أبو صالح ما أَدْرَكْتُهُ للوهْلَةِ الأولى مما تَرَكه الروائي "طاهر أحمد الزهراني" على ظهر روايته "جانجي" أنّهُ يطمَحُ لتبقيعِ ثوبِ الروايةِ السعوديةِ ببقعةٍ بيضاءَ , بعد أن صَبغته موجةُ الرواية الفضائحية بلونِ العارِ.. يطمحُ لهذا حتى لوْ أَفْسَدَ هذا الثوبَ بِبقعته !

وما بالك و أنت تقرأ فصاحَةَ ما كتَبَهُ الزهرانيُّ عن وَضْعِ العالَمِ , أو حين تقرأ ما تترجمه الرواياتُ من قذارةٍ و تحشو به دور النشرِ , لتحشو الأخيرةُ جيوبها بالمالِ !!
أنا أيضًا أُلحِقُ الشتيمةَ بهذا العالَمِ , مع أن عصرنا لا ذنبَ له أبدًا , فكل العصور محشوةٌ بالقذارةِ لا عصر يخلو.. و كُلُّ المجتمعاتِ مليئةٌ بالرذيلَةِ لا شيءَ مختلفٌ ها هنا.. لَكِنَّ الرغبةَ في نشرِ الغسيل المتسخِ عبر فَنٍّ يجب أن يقوم على الجمالية يجعلني أشتم العالَمَ جِدًّا !!
لِماذا أشعر بأن الروايةَ السعوديةَ - الفضائحية - تكتبها ثُلَّةٌ من المتسلقة , يبحثون عن الشهرة و عن المالِ , و عن كُرسيٍّ دَوارٍ في إحدى القنواتِ الفضائية !
يتحدَّثُ طاهر في روايته عن شيءٍ جميلٍ حقًّا.. عن معنى (الصَّداقة) و ذلك أثناءَ حديثه عن (الجُرْمِ) و (الظُّلْمِ) و (الجبروت)... إنه يُمَرِّرُ معنًى قديمًا عتيقًا من معاني الإنسانيةِ الغائبة.. في روايةٍ سريعَةِ السردِ , نجيبةِ الفصولِ.. يأتي على المرأة , فيجعلها كائنًا يُشارِكُهُ الهَمَّ دونَ أن يستبيحَ جَسَدها و حُرمتها.. يجعلها كائنًا مُقَدَّسًا فعلا , و لَمْ يُدَنِّسْها كما فعلَ الروائيون المتسلقون !
أرى أن (الزهراني) سيزرع بذرةَ الخَجَلِ في نفوسِ الروائيين , لتنمو في حروفهم , و تزيلَ خَيْبَتنا بمضامينهم ! صحيح أنه لم يُعْنَ كثيرا باللغةِ و لَمْ يتفننْ بالسرد , إلا أنه كتب شيئا مختلفًا يستحق الإشادة !!
يقول الفيلسوف ديموقريط : " إن الجمال : هو الاعتدال في كل شيء , لا يعجبني النقص و لا تعجبني الزيادة و من يتجاوز المعيار الصحيح تنقلب أمتع الأشياء عنده إلى أشد الأشياء ازعاجًا ".. و أخال أن الروايةَ هذا الفنَّ الجميل , يكاد يصبح عند أغلبية الروائيين السعوديين من أشد الأشياء إزعاجاً !
أما سقراط فيرى : " أن (الملائم) لا يفعل شيئا سوى أنه يجعل الشيء يبدو أكثر جمالا " , فلماذا لا تتلاءمُ الروايةُ السعودية مع مجتمعها و تكتب عنه بشموليةٍ و اعتدالٍ.. ليصبح فنُّ الروايةِ هنا فَنًّا جميلا غير مزعجٍ !
أيها الروائيون المتسلقون , أَلا تقرؤون أسلافكم , ألم تقرؤوا قولَ عبد الرحمنِ شكري : " مهما بلغنا من الشجاعَةِ فلا بُدَّ أن فينا من الجبن و الحزمِ و احترامِ النفسِ ما يُغري بإخفاء كثير من النقائص ".
فلقد جَعَلَ من احترامِ النَّفسِ أن نُخفي كثيرا من النقائصِ في مجتمعنا , و إن كنتم ممن يؤمن بأن الاعترافَ بالخطيئةِ سبيلٌ للتخلُّصِ منها , و أن الرواية هي صَكُّ الاعترافِ بها , فلمْ لا نعترف بِخَجَلٍ لا بوقاحةٍ و فضائحية ؟!
ثُمَّ إن الروايةَ حقلٌ أدبيٌّ صعبٌ , و الكتابَةُ فيه يجبُ ألا تكونَ سهلةً -كما نجدها الآن - فنحنُ نكتب عن مجتَمَعٍ صَعْبٍ , و عن بَشَرٍ لا يتشابهون , نكتب تاريخنا.. و لا يَجِبُ أن نُضيفَ لهذا التاريخِ روايةً مقصوصةً بعبَثٍ , قد قصصناها بِسُرْعَةٍ لِغاياتٍ دَنِيَّة (من الدنُوِّ و ليس من الدَّناءة) , فَلْننْتَبِهْ على الأقَلِّ ألا نَقُصَّ أصابِعنا و ثَوابِتنا و نَحْنُ نقُصُّ أفكارنا في رواية.. و للأسفِ , فإن الرواياتِ التي تُنْجِبها دورُ النَّشْرِ , و تنطَرِحُ كالأرز على رفوفِ المكتباتِ , ليستْ أكثر من عَبَثٍ لُغَويٍّ.. و لا شيءَ يلفت الانتباه كالعبَثِ , كَمْ من قارئ قال عقب قراءةِ هذه الروايات :" إنها من الناحِيَةِ الفَنِّيَّةِ رائعة , و من حيث المضمون فَصِفْرٌ مُستَديرٌ مُستَطيرٌ ".
ربما لَمْ يَحِنْ الوقتُ لكتابَةِ روايةٍ تُضيفُ إلى هذا الفَنِّ ما يجعلكم عالميين ,اصبروا قليلا , و اقرؤوا أولئكَ الذين كتبوا عن مجتمعهم بحذاقةٍ و نجابة , ماركيز مثلا , ألا ترونه يقتَطِعُ في رواياته شرائح عدة يجدها في مجتمعه , يصورها بعينٍ ذكيةٍ , يمرُّ على كُلِّ أطيافها , يسمحُ لهم بالتحدُّثِ , يدخل إلى ذواتهم , يعريها , تخرج من قراءته بِكَمٍّ هائلٍ من المعرفةِ و المتعة , إنه يكتب في الفنِّ و بجماليةٍ بالغة..
ماذا عن تولستوي , إذا ما تَحَدَّثَ عن الرذيلةِ لَمْ يُصوِّرِ التفاصيلَ كشيطانٍ يفرَحُ بخطايا الناس , إنه يُشير إليها و لا يتولاها بلِغته , فهو يعرف معنى أن يدورَ حول الحمى , لأنه يرمي إلى كتابَةِ روايةٍ لا نفاية!
إن كان هؤلاءِ الغرب , فكيفَ بنا نحن العرب أهل العفةِ و المروءة ؟!
أيها الأُدباء , لَوْ لَمْ تتكرر بُقَعُ البياضِ في ثوبِ الروايةِ السعودية , فلا شَكَّ أنكم تسيرون بأدبكم و تاريخكم و مجتمعكم إلى هُوَّةٍ سحيقَةٍ لا غوثَ فيها و لا نجاة !
*كاتبة سورية












