ناول ماركيز حبة مانجو شهية لإحدى شخصيات روايته، ليكتشف بعد وقت قصير أن القرية، التي تقف كخلفية مكانية لتحركات تلك الشخصية، لاتزرع فاكهة المانجو! سارع ماركيز إلى استبدالها بفاكهة محلية، معتبرا حادثة "المانجو" من الأخطاء الفنية القاتلة التي لم يغفرها لنفسه حتى بعد وقت طويل.
لفت انتباهي جزء من رواية لم أحصل عليها بعد، وأعني رواية جانجي للصديق طاهر الزهراني، حيث يورد بهذا الجزء القصير، والذي طرح كتقديم للرواية، صورة صديق ارستقراطي تحول من شوارع جدة ومراكز "الغزل بأسواقها" وفخامة مطاعمها، عن طريق جسر الجهاد الأفغاني، إلى محتجز في أقفاص قوانتنامو. وبمجرد المرور السريع على تلك الجزئية، يسهل على القارئ تلمس الثغرات، واصطياد الهنات في توظيف الممارسات والأسماء والأمكنة التي يصعب أن ترسم معالما واضحة للشخصية، وتعجز عن صناعة هوية مقنعة، بل وتفشل في صناعة سلوكياتها بشكل متسق ومتناسق مع مرجعيتها وظروفها المعاشة. فتلك الشخصية التي ترفض زيارة "حارة المظلوم" و "الشام"، لضيق أزقتها وتهالك مبانيها، هي الشخصية نفسها التي تتسكع في شوارع "حي السبيل، و "غليل" الأكثر تهالكا وجوعا من حارة المظلوم (حارة المظلوم التي تحولت مزارا للسياح من جميع الطبقات، وعلى رأسهم أبناء الطبقة الآرستقراطية- إن سلمنا جدلا أن مدننا وإنسانها تحمل- خارج الأسوار الخاصة- شيئا من ملمح ارستقراطي ملحوظ، فيما عدا مركبة فارهة يتنقل بها بين الأزقة! )
أيضا يشير طاهر، في الجزء نفسه، إلى مفارقة تحوله من الأكل المترف في مطاعم جدة الإرستقراطية، واعتكافه الإختياري بمنطقة لا يأكل بها سوى حبات الفول، ويمثل بــ "فدركرز، وتشيليز" كنموذج لتلك المطاعم الآرستقراطية، رغم أن أسماء المطاعم التي أوردها معروفة كأمكنة يرتادها أبناء الطبقة المتوسطة، وأحيانا الأعلى من المتوسطة بقليل، ولا تنتمي- كشريحة- إلى طبقة المطاعم الآرستقراطية. هكذا تنز بعض الأخطاء القاتلة، كما أسماها ماركيز، و يظهر الإرتباك في تصوير المعطيات المعيشية للشخصية، وغياب الإقناع في خط سلوكيات تلك الشخصية، كفشل في قراءة وجه المدينة وأمكنتها ومعطياتها، ذلك الفشل الذي يفرض وضع الشخصية في موضع لا يتناسب والصورة المترفة التي حاول الكاتب أن يرسمها لها.
السبت, 19 مايو, 2007
-سعيد الأحمد
-منتديات ميراد
أن تدون لتكتب، أو تتخيل لتسرد، كلاهما مسالك لكتابة سردية لايمكن، بل لايجب أن تفرغان من المعطى المعيشي، أو تخلعان رداء المعاش بكل تفاصيله واشتراطاته البعيدة عن الإعتساف أو الصناعة الزائفة، وبين هذا وذاك لا يفترض أن تفقد الحياة أنماطها، ولا أن يعتسف السرد سلوكيات شخوص النص بطريقة فجة، أو لامقنعة و لاعلاقة لها بإشتراطات مجتمع النص وأرضيته المعرفية وتراكمه الإجتماعي. لاأدري حقيقة أين نقف نحن بين هذا وذاك! فبخيالنا نشوّه أرض الواقع، وبواقعيتنا نزوّر سحنة هذا الواقع، أو نخطئ في اعادة تشكيله كتابيا بصوره ولمحاته الفنية و سلوكياته المقنعة.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









