|
بقلم : محمود تراوري
(في جزء منحوت في أحد جبال « قويزة» اجتمع «اليابات» من كلّ حواري جدّة لحضور الجوش، ومن بعد صلاة العصر يدوّي الزّير، ويجمع الحطب، ويبدأ التّوافد من كلّ مكان .
بدأت النّار تعلو وكذلك صوت الزّير يرتفع.. نزل البرحة.. أبو سعديّة ومحمّد الفص، وناصر العص، وفهد التّكروني، وعم ناجي..
وبعد قليل بدأت تظهر في البرحة بعض المناوشات وخرج جعفر مقشة يرفع الخشب على سعيد ذنبو .... تدخل عم ناجي لفك النزاع:
- ياواد شيل يدك عن أخوك لأكسرها لك .....
- أخذ حقي يا عم ناجي ...
- لما توصل بيت أمك ذيكا الساعة خذ حقك مو هنا قدامي ....
فك عم ناجي النزاع واستمر الجميع في اللعب ورفع الخشب عالياً ، بدأت الشمس في المغيب وبدأ النار في الضمور وتلاشت الجموع مع صوت الأذان .
كان هذا آخر جوش يقام في الحارة ولم أرى ( تترك كما هي بلا تصحيح ) الخشب بعد ذلك إلا متناثراً على طاولات البلياردو) .
الواقعية الفجة، أو الواقعية القذرة بحسب مدرسة أميركية نقدية، حسب علمي الضئيل في الدرس النقدي. تحضر هنا بينما الواقعية التقليدية التي ازدهرت في الأدب الفرنسي في منتصف القرن التاسع عشر كانت تعتني بحسب مفاهيم علم الجمال ذلك النوع من الفن الذي يسعى لأن يمثل الأشياء بأقرب صورة لها في العالم الخارجي.
وفي النص أعلاه تحضر قصة (القفلة) ، كنا زمان عندما مستنا جمرة المسرح غير الخبيثة، ترهقنا النهاية، علام تسدل الستارة، فنتجادل (هذه قفلة بايخة، وتلك دمها ثقيل، وثالثة ممعنة في الخطابية بحيث تحدث خلطا بين المسرح والخطابة كفنين مختلفين وظيفيا ومفاهيميا، ورابعة وسابعة وعاشرة كلها دلع ورومانسية لا تناسب واقعنا).. كانت القفلة تشغل حيزا كبيرا من تفكيرنا ، فيا لها من أيام.
في قصة طاهر الزهراني التي عنونها بـ(جوش)، والتي بعثها صديق عبر البريد الإلكتروني، وهذه واحدة من العادات البهيجة التي أوجدتها ثقافة الإنترنت في جانبها المشرق. أقول إن قفلة طاهر هي بمثابة الصفعة التي توجه إليك كمتلق، لتفيق من موقفك إزاء بناء القصة ومباشرتها حد الفجاجة، وهذا ما يفسر معنى الفجاجة إذا سمعنا (واقعية فجة)، وهو تيار كتابي لم يتجذر في الكتابة المحلية، لجملة أسباب لعل أوضحها السلطة الاجتماعية التي بالضرورة تتحكم في توجيه الذائقة الفنية، فيختلط الاجتماعي كعيب وقرف، بالفني المتمرد في طبيعته على الهاجع.
(لم أر الخشب بعد ذلك إلا متناثرا على طاولات البلياردو).. هي بالمنطق الكلاسيكي لحظة التنوير، وبمنطق المسرح هي لغة الإظلام، حيث تسدل الستارة. وتغادر الأرجل، حيث تبقى أطياف أرواح، تعاود الجوش من جديد، فربما صديقنا طاهر يعيد ترميم لغة الجوش، أو يصر على موقفه فتبقى (النار بدأ) ، لنراجع (لم أوهمونا بأن النار مؤنثة)! هل للانحياز اللغوي الذكوري أثر هنا ؟ ولكن بالمقابل الجنة مؤنثة. إذن يسقط السؤال.
لكن يبقى سؤال عن ماهية الواقعية التي نريد؟ |