التيه في البحر والصحراء قراءة لـ(رياح وأجراس) فهد الخليوي طاهر الزهراني عندما رأيته عرفت أن أصله من الصحراء ولكن غيره البحر كثيراً، الجميل أنه جمع صفات الصحراء الرائعة وترك غير ذلك ثم رضي بعد ذلك، بعد أن نزع أسماله، أن يشق غمار البحر!. لذا لا أتعجب عندما أسمع أنه أخرج عمله الأول بعد ثلاثة عقود!.

قبل أن أسقط على هذه الدنيا كان فهد الخليوي يكتب قصصه، كان يكتبها قبل عقود ويأبى إلا أن ينشرها الآن على مضض لضغط أصدقائه وأحبته عليه لينشرها بعد أن مزق الكثير من نتاجه!. وكأنها رسالة إلى الجيل الصاعد أن الكتابة ليست عملية تغوط!، بل هي تجربة حياة وقراءات تراكمية في رحلة العمر!.
ثم نفاجأ أن النصوص التي كتبت قبل ولادتنا تحمل نفس التقنيات السردية والمضامين الإنسانية والاجتماعية التي نفتقر إليها الآن في قصصنا ونصوصنا الحالية!.
الغريب أن هذه النصوص تنبض إلى الآن. هذا ما أثار كثيراً من علامات التعجب والاستفهام حتى قابلته فعرفت السبب؛ السبب أنه إذا تكلم مع أحد فإنه يغمض عينيه فيعلم المستمع والرائي أن كلماته نابعة من قلبه ومتدثرة بثقافات هائلة، لذا زاد يقيني أنه حين يكتب يكون أبلغ صدقاً وشعوراً. هذا أمر.
الأمر الآخر أنه تنوع في ذكر الجوانب الإنسانية والقضايا الاجتماعية التي أهملنا كثيراً منها بشكل أو بآخر، لا بل تم تأطير الأدب في أمور وقضايا مستهلكة.
في المجموعة القصصية الصغيرة والعميقة جداً للأديب فهد الخليوي نجد أنه تطرق إلى جوانب عدة كـ(الغربة، الاستبداد، الثقافة، الحميمية، التخلف، المرأة، الحضارة، الانتماء، الجمال، الشفقة، الظلم، الظلام، الخذلان...). وذاك أنه مؤمن إيماناً شديداً بأن الأدب لابد أن يسبر أغوار المجتمع وأن يسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في حل قضاياه وإلا أصبح أدباً هشاً مهزوزاً!.
البحر والصحراء في النصوص:
رغم أن أغلب نصوص المجموعة نصوص مفتوحة وكذلك الزمان والمكان إلا أن السارد أو البطل يتطلع إلى ما هو أرحب وأوسع. إنه يبحث عن المكان المطلق والزمان المطلق وذاك أنه يتمتع بروحٍ وقّادة ونفس جامحة إلا أن هذا لا يبلغه مرامه، لأن ما يقصده السارد هو الانطلاق الإنساني -فكرياً وروحياً وثقافياً- لذا ظن في البداية أن المرء يتكيف (مع وحدته، ويتخلص في وهاد الصحراء... ويتحد مع رموز لا نهائية) ولكنه صدم فقد (كانت أصداء الصحراء، تجسد وحدته وتشعره بتفرده) طالما أن الشخص يرزح تحت قيود الجاهلية والتخلف فإن المكان وإن كان بحراً أو صحراء، فإنه سيبقى مقيداً مهما أوتي من مقومات الانطلاق فالاتساع لن يكون ميداناً للانطلاق بل سيكون فراغاً والرمال مهما كانت ناعمة فإنها حارقة، الرياح مزعجة، والأشواك تعلن المحاربة والعداء، حتى في (بقايا الذاكرة) سيصبح (الاتساع والفراغ، والرمال الناعمة الحارقة بصهدها، الجبال البكماء البعيدة، أزيز الرياح، شجيرات الشوك الداكنة التي تدمي شرايين الأقدام) ذكرى موحشة ستكون (سطور من تراث الوأد).
حتى الجمال لا ينال إلا بالعداء أو التعسف الذي ينتهي بـ(سعار مخيف) أو ضياع وهروب كالغزالة التي هربت (مذعورة إلى مجاهل الصحراء).
عندها علم أن (خارج المدينة ليس إلا تيه قاتل وصحارى قاحلة) وأناس (يلوحون برايات سوداء، ويحملون فوق كواهلهم ليلاً حالك وسلاسل غليظة وبقايا وأد قديم).
لذا انطلق إلى المكان الذي تأكد له أنه مأوى للعطشى والمنطلقين إلى اللانهاية، سكن مدينة وليس أي مدينة (كانت المدينة تمتد كشريط من اللؤلؤ بمحاذاة الشاطئ) بعيداً عن الرايات والليالي السود والسلاسل والوأد المرعب، ذهب إلى أناس (قد اكتسبوا المرونة وسيرة التسامح في سلوكهم كما تقتضي طبيعة المدن) ولم يكتف بذلك بل (تزوج أنثى جميلة من أسرة هندية) لا تنتمي إلى البحر بل إلى المحيط!.
(ذهب إلى البحر صديقة القديم وملهمة لكتابة قصيدة ظلت زمناً تختلج في متاهة وجدانه) ثم (سلك الطريق المؤدية إلى البحر وهناك وقف على الشاطئ منصتاً لدمدمة البحر) ثم أخذ ينسج قصيدة لم ينسجها من قبل!.
(كان سرب الطيور يغرد فوق البحر) فجأة (دفعته شدة الرياح للتحليق بعيداً باتجاه الصحراء) نظر فإذا بامرأة تقترب من الشاطئ وتنزع ملابسها الرثة القذرة (قرب الشاطئ المقفر، توغلت عميقاً نحو البحر وهوت) عقدت الدهشة لسانه وهو يتساءل:
هل عاشت في الصحراء مثله؟
هل لعنت الظلام؟
هل وأدت نفسها أم تمارس طقوساً من حريتها؟!.
أخيراً تنتهي مجموعة الخليوي، لتؤكد لنا في النهاية أن التأويل في النصوص المفتوحة غير ثابت، بل هو متحول ومتنوع، وهنا تكمن روعة النص الذي تسبر مكامنه سواء كنت -قارئاً/ ناقداً- دون أن يفرض عليك أحد رؤى معينة أو معاني قد تكون في أحيان كثيرة واهمة!.
* كاتب سعودي
الجمعة, 16 مايو, 2008
جريدة الوطن
Add a Comment
Add a Comment
<<Home








