ذهبت في المساء إلى الصندقه التي بنيتها أنا ومنصور في الكورنيش الجنوبي المهجور ، على سقف الصندقه عشرات الغربان الواجمة و الجائعة ، عندما اقتربت من الباب طار البعض وبقي البعض !
فتحت الباب جلست على ( الزوليه ) المهترئة ، كان عليها علبة سجائر Lmحمراء و علبة صلصة صغيرة- منفضة- وجرائد قديمة وراديو صغير وفي الزاوية عود رخيص اشتراه منصور من حراج ( التكارنه ).
أخذت الراديو المليء بالغبار مسحته ثم أدرته....
شاعر يتلو قصائد في اعتزال لاعب كرة ويبكي
أدرته مرة أخرى ...
أطفال وشيوخ غزة يعتزلون الحياة......
أغلقته ....
أخذت الجريدة ...
كاتب يتكلم عن الأطفال الذين يموتون من البرد على الحدود الشمالية ...
قلبت الصفحة ...
كاتب سلطة يثني ويمدح بفحش الحكومة لأنها وزعت ( بطانيات ) في العاصمة ...
2
أنا ومنصور تخرجنا من الثانوية العامة ولم تقبلنا جامعة ، كنا نبحث عن وظيفة في الصباح وفي المساء نذهب للصندقه ندخن ونسخر من الدنيا ونعزف على العود أغاني الفرح !!
في أحد الأيام ركب منصور دبابه ( الطرنط ) وحمل معه ملفه الأخضر ، وبينما هو يقطع الشارع داهمته سيارة ( همر ) مظللة و بلا لوحات !!
خرج صاحب السيارة فنظر إلى سيارته ثم إلى منصور المبعثرٌ على الإسفلت وقال :
- الله يعميك ..أنت ما تشوف ..
لم يرد منصور لأن منصور مات ....
مات منصور وماتت معه كل أغاني الفرح !!
كل ماهو حولي ممل ، وشمس جدة تضربني بسياطها التي لا ترحم وتحتي أرض تغلي كحميم جهنم وعن يميني وشمالي أجسادٌ منتنة وعرق يسيل دون توقف !!
شوارع مدينتي ملتهبة وعرباتها تتناكح علانية والكلمات البذيئة تقرع الأسماع المليئة بالشمع العفن !!
....
صعدت المقهى ( قهوة النجدة ) سابقاً أو ( قهوة السطوح ) أو ( قهوة باب شريف ) في مديني كل شيء عزيز لهذا تكثر مسمياته !!
بعض الوافدين الذين حرقتهم شمس إفريقيا مضطجعين على السرر المفتولة فوح الجثث يأتي بالغثيان ...
عم صالح أحضر لي الشاي التلقيمة المحروق وأحضر النرجيلة ذات الرأس الملتهب ....
شرعت في الكتابة في ذالك المكان ثم وضعت القلم جانباً وفضلت النظر في ( المروحة ) القديمة وحركتها الرتيبة ، شجرة (النيم ) التي فوقي تحمل أغصاناً ميتة من عقود ، فجأة نزل منها عنكبوت صغير التقط الذبابة التي وقعت في كوب الشاي والتي غمستها عدة مرات وألقيتها على الطاولة الصدئة أخذها ثم صعد مرة أخرى إلى الشجرة ، أسمع احدهم يغني في الحمام ويتوقف ليلعن البلدية التي صادرت بضاعته ويتوعد انه سوف يبيع ( العرق ) أو يشتغل ( دبوس ) و( ينيـ.......) عار الذين صادروا بضاعته ....
.....
أخذت نفساً عميقاً من النرجيلة ....الطعم متغير ...نظرت إلى ( الحجر) فإذا عليه بعرة ( نشوق ) قد رمها احدهم ، لعنته ولعنت المقهى ولعنت المدينة .....وخرجت وفي داخلي كل شيء يحترق!!!
كنت ألملم أغراضي استعداداً له ! .... كانت الحرارة تكاد تخرج من جسدي كأبخرة حمراء ، كنت حينها أفكر في حياتي ، هل كانت سعيدة أم لا ؟ هل كانت تسير كما ينبغي أم لا ؟ عندما أغادر الحياة ، هل سأترك ورائي منهجاً صحيحاً أم أكواماً من الأخطاء ؟ .... وقد كانت أخطائي فادحة لا تغتفر ...!! أعترف بذلك ..أعترف وأنا ذليل بالاعتراف . هل سأرجع للحياة مرة أخرى ؟ لا أدري، سؤال كررته كثيراً في حالات هذياني . .... كثيراً ..ما أردد يا آه... كم هي الحياة جميلة !! إذا لفت إحساسي شيء ..... ضحكة طفلتي خرير الماء .. صوت المؤذن الندي وكلماته المقدسة عندما أرى مجموعة من الطيور المهاجرة . .... وبقدر متعتي بإيحاءات الحياة الجميلة بقدر خيبتي من البشر الذين لم يعد لهم أي قيمة في نظر بعضهم البعض ...!! كلما دخلت مشفى للعلاج أتيقن أن العلاج يكون خارجه وليس داخله ....!!! أفضل أن يقتات الوباء على جسدي ولا أن أمكث لحظة في مكـان أعتـقـد أن مسـمــى (( هولوكاست )) أليق به من أي كلمة أخرى !! ....
لم أخبر أمي لأن إخبارها يعتبر نوعاً من العقوق ... أمي ...آه يا أمي ... إنني مشتاق إلى لمسة يديك الحنونتين ذات الحروق ... مشتاق لرائحة عرقك المتفصد من جبينك عندما تعجنين للعشاء ... مشتاق لأرتمي لصدرك الذي لازالت به أثر عضاتي الصغيرة .... آه يا أمي ... سامحيني فلن أقول لك شيء ... اكتفي بأن تسيري في جنازتي ساعة ....!!! .... اكتفيت بحنان عمتي و بلعق العسل من يدها وبجرعة العصير وبكثرة الكمادات الباردة على صدري . ....
(( كريات الدم البيضاء في هبوطٍ حاد وكذلك الصفائح الدموية ))
لم تعد هذه العبارة تهزني يا ( فريال ) اذهبي لمرضى آخرين وألقي في قلوبهم الرعب . لم يعد يهمني أي شيء إلا طفلتي ( أسماء ) التي فقدت
والدتها قبل سنتين ، لمن أتركها وكيف ستعيش من بعدي ؟!! كنت أطمح أن أحفّظها القران قبل أن تبلغ العاشرة لتقاوم فتن الزمن ، وكنت آمل أن أعلمها العزف على البيانو بعد العاشرة لتحسن التعامل مع الحياة ... ولكن ربما تنتقل المهمة لجدها وجدتها وسوف يعلمها جدها علم الأنساب وجدتها ستعلمها كيف تحضر العصيدة ( شيء مضحك ) .. .... على مكتبي كنت أنظر في رواياتي وأعمالي التي لم تكتمل كنت أنظر إليها بنوع من الحسرة ، لجهلي بمصيرها . لذا فكرت أن أقضي عليها قبل إن يقضى عليّ .!! ذهبت اليوم لزيارة قبر زوجتي قلت لها : إني قادم ... فمرت نسمة من الهواء وألتفت حولي شعرت فعلاً بروحها السعيدة !! ذهبت إلى منزلي أنتظر الموت فلم يتبقى إلا بضعة أيام ... . . . . بعد أربعة أشهر دخلت عليّ ( أسماء ) وبيدها حلوى !!! انتهت
<<الصفحة الرئيسية











