الطريق إلى بلحارث والحواس الخمس ..... هذه الرواية الصغيرة والعميقة تجرك بتلابيبك إلى عمقها السحيق ...فقد تعاقدت تعاقداً منسجماً مع الحس الخمس . فترى جدة قبل عقود الشوارع ، السيارات والأنوار والمقاهي ، ترى طريق الجنوب الصباخ الرمال الجبال ، ترى بعرة السمينة وظفرة المثيرة. تسمع أصوات الضوضاء وعجلات السيارات وأصوات الفناجين في المقاهي وصياح القهوجي وصوت القحم وأصوات الباعة في سوق (الثلوث ) وصوت الزير يدوي في الأرجاء تسمع صوت الرعد والريح وهذيان الحمى القاتلة.... في هذه الرواية يلسعك مذاق العرق المحلي ويؤذي أسنانك برودة الكولا المثلجة ويلذع خملات لسانك طعم القات والشاي المحروق !! تشم في الطريق إلى بلحارث رائحة الحطب والنرجيلة ورائحة الجسد الذي بدأ يتعفن ... ورائحة الأرض المبلولة التي تشد وتجلد بسوطٍ من الذكريات القديمة . وفيها تحس بحنان نادية وحرارة ظفرة وبرود المكان وألواح الثلج المحمولة وأيام الفوح والرطوبة القاتلة. *قصة الورقة : عندما انتهيت من قرأت هذه الرواية ،كان هناك شيء يناديني ويقول : لماذا لا تبحث عن مقهى القوزين ؟ كنت متردداً في الذهاب ، لقد تجاوزنا الألفية الثانية مقهى القوزين ربما أصبح الان مجمع سكني أو محلات تجارية وإذا كنت متفائلاً سوف تكون آثراً بعد عين على أقل تقدير !! في أحد الأيام ركبت سيارتي الشوارع مزدحمة ومدينتي (( دائمة الظمأ للحظة استرخاء وسكون )) توجهت إلى حي السبيل وإلى القوزين بالخصوص سلكت شارع المخزومي المسمى سابقاً بشارع القنفذة ، أوقفت سيارتي على جانب الطريق وأخذت جريدتي وأوراقي ، دخلت الشوارع و مررت بالأزقة سألت الوافدين هناك لم يسعفني أحدهم بإجابة . تذكرت عماد الساقي عندما قال : (( مقهى القوزين كالسمكة كلما حانت لحظة اصطيادها ضاعت من جديد )) وفجأة مر بي شاب قد لفحته شمس السبيل جيداً فقلت في نفسي وجدت ضالتي وفعلاً تقدمت وسألته فدلني على المكان . ذهبت إلى نفس المكان وجدت بوابه قديمة صدئه ويعلوها لوحة كتب عليها ( قهوة الجنوب ) . دخلت المقهى تفاجأت لقد دخلت بوابة الماضي فعلاً الكراسي مجدولة بالحبال والسعف بعضها متهالك وبعضها معتمد على الآخر ، وجدت عم جابر ووجدت البقر والغنم في الزاوية لازالت الأوساخ والروث الحيواني كما هو من أيام جمال ناجي ، لا يوجد شيش لا يوجد رواد روادها هم هم من قبل أربعين خمسين سنة ولم يبقى إلا قليل منهم فقد انتزعهم الموت واحداً تلو آخر قهوة القوزين أصبحت وقف لعابري السبيل والمقطوعين من الشجر . قال لي عم جابر : -لقد مات صاحب القهوة قبل ثلاثة أيام ، وليس فيها إلا أنا وهذا الرجل . وأشار إلى كومة من العظام رجل مستلقي تحت ناموسية . -أنه رجل من أهل الجنوب أنه من جماعتك له ثلاثة عقود في هذا المكان !! معقول هذا هو المقهى الذي قال عنه جمال ناجي : ((هي مقر سماسرة الطرق وسائقي الرمال المقهى يغص بالرواد ، رجال يأكلون اللحم والأرز و آخرون يتباحثون وقد بدت على وجههم ملامح الجد )) المفاجأة عقدت لساني وهزت كياني ارتقيت على أحد تلك الكراسي بدأ الكرسي تمايل ذات اليمين وذات الشمال حتى استقر . الطريق إلى بلحارث ومعاناة الإنسان : إن المعاناة التي أوردها جمال ناجي في الطريق إلى بلحارث ليست هي معاناة إنسان بلحارث بل هي معاناة الإنسان نفسه .. مهما كان جنسه ولونه وفكره.. في هذه الرواية يسرد لنا المؤلف هموم الإنسان العادي والهامشي والمثقف لايهم التصنيف المهم أن هناك هاجساً ومعاناة وهي تطغى على الكل وبعد ذلك يلجأ الكثير من البشر إلى الهروب من الواقع وطرق كل باب أو سرادق للهروب وإما أن يستسلم الإنسان ويرضى بواقعه والرتابة القاتلة جراء ذلك . إن الرزق وطلب والمعيشة يشكل هماً للإنسان فاهو عماد يهذي فيقول : (( خمسة الآلف ريال لعلني أهذي وكدمات تلك الأيام القاسية الشظفة)) ثم يقول :(( لأول مرة يجتاز حياتي حدث مهم كهذا سأرسل لوالدتي مبلغاً ، تسدد به دينها وسأشتري سريرا وبطانية جديدة تختلف عن هذه التي تغطيت بها في المقهى )) ........ في موطنٍ آخر يسأل منصور علي فيقول : (( لماذا جئت إلى هنا ؟ يرد علي : (( لأنني كنت أريد أن أجمع أكبر قدر من المال )) في الطريق إلى بلحارث الكل يحمل هم الأرض والوطن : حتى الناس البائسين حيث (( يقرب الشيخ رأسه من المذياع بدأ المذيع بصوت رتيب – أعلن مصدر مطلع في القاهرة صباح اليوم بأنه تقرر توقيع اتفاقية سيناء ، ….بصق الشيخ على الأرض ثم هز رأسه )) يتابع المذياع (( من الجدير بالذكر أن الأزمة اللبنانية قد اتخذت إبعاد جديدة بعد ذلك الانفجار الذي هز أنحاء بيروت )) ولا ينسى الإنسان هم وطنه والأعداء وإن كان يخنقه وعثاء السفر . قال الرجل الملتحي : - أشوف عينك ما تفارق البحر يا أستاذ مافي بلادكم بحر ؟ - فيه بحر لكن اليهود احتلوه . - آه يلعن أبو اليهود لك الله يا استاذ مالهم دين . وحتى منصور الذي يعيش خارج الزمان والمكان (( يرسم على ناموسيته خارطة فلسطين لكنها لم تكن متقنة تماماً )) الغربة أيضاً لها شأن آخر : يقول علي :(( ما الهدف يا عماد ؟ ما الهدف ؟ أعيش هنا كالكلب منسي .....)) رغم هذا السواد فهاجس الموت يحوم فوق الرؤوس : يقول علي : (( غريبة هذه الدنيا ، الموت فيها أسرع من الحياة ، كنت سأحتفظ –لولدي- فجر بذكريات فريدة ،عن لحظات ولادته أين ولد متى كيف كل هذا حسبته سبقاً انسانياً ، أذّكر به فجر ، الذي أصر على الموت قبل معرفة هذه الذكريات )) يقول منصور لعلي : - لماذا تضع الموت دائماً نصب عينيك ؟ - لأنه حقيقة . وهاهو الموت أيضاً يظفر بمنصور قبل أن يظفر بظفرة . · إذا تقرر ما سبق .. فإن الإنسان أمام هذا السيل الجارف من هموم الحياة على مفترق طريقين : - إما الهروب من الواقع كـ ( منصور ) . - وإما الاستسلام كــ( عماد ) -والإنسان الصامد هو الذي لا يهرب ولا يستسلم . * فالهروب هنا له عدة طرق وأبواب : أولاً : المقاهي : (( فالمقاهي هي المقر الوحيد لكل الغرباء ، حيث لا وجود للفنادق في القنفذة ، يتآلفون بسرعة عجيبة يرفعون الكلفة بينهم يتأففون باستمرار يطيب لهم الحديث عن خصوصياتهم ويحللون الأمور على أهوائهم )) ثانياً: بوعايض البوابة العظمى لهروب : يقول منصور :(( بوعايض علمني طريقه لصنع الخمر وبوعايض له أصدقاء يأتون بالقات من اليمن ؟ هل تعرف القات ؟ -سمعت به أيام الدراسة ... -انه مركب إلى عالم آخر ينقلك إلى دهاليز غيبية وذكريات لم تحصل ابداً إنه صانع الذكريات لمن لا ذكريات له . )) عندما قرر عماد ألا ينام تحت السقف خوفاً من العقارب والأفاعي ذكر بأن : (( منصور كان يعتقد بان للزواحف أخلاق خاصة بها فهي لا تؤذي النائم وقال لي مرة : -هل سمعت في حياتك أن أفعى أو عقرباً لدغ انساناً نائماً ؟ وكان ينام مطمئناً غير عابيء بهلوساتي !! )) ونجد هذا الهروب عند بوعايض أيضاً : (( كيف شفت بالحارث يا أستاذ عماد ؟ هل أعجبتك ؟ -طبعاً قال : (( لك الله يا أستاذ أنها أحسن قرية في منطقة القنفذة فيها سوق الثلاثاء والغيل بيمر من وسطها والنخيل مثل التراب وبعدين فيها مدرسة ، لك الله أنها أحسن من القنفذة )) رابعاً : ظفرة خندق عميق للهروب : قال منصور عن ظفرة : (( في القنفذة سترى يا عماد جسداً بلورياً امرأة أشهى من الشهوة ذاتها هل سمعت بظفرة ؟ هل تعلم بأني أشتهيها بكل مافي الكلمة من مخاوف وألغام رغم أنها سوداء فاحمة ... ظفرة تضرب عرض الحائط بكل تقاليد القنفذة ظفرة دائمة الفرح ، تقاطيع وجهها تفصح عن فرح مثبت كالوشم . اسم ظفرة مكتوب بالدهان الأحمر على ناموسية منصور ..... مالذي يريد إثباته ؟ ومالذي يدفعه إلى هذا الحب الجنوني لتلك المرأة ظفرة هل يحبها حقاً ؟ هل يشتهيها ؟ أم أنه يريد أن يقول أشياء كثيرة أخفق في قولها في حالات وعية ؟ منصور لا يكف عن التفكير بظفرة لعلها استحوذت على حالات صحوة أيضاً ... منصور أحس بالخوف من لحظة اللقاء بظفرة وكيف سيفك الحوقة عن وسطها ؟ ترى ماذا تلبس تحت الحوقة ؟ إنه يريد أن يظفر بها : (( سأمزق قطعة الشاش الأسود التي تغطي .... سأقبلها كالعشاق واستدعي ...... حرمان السنين العجاف القاتلة )) ظفرة والتي هي طفرة جنسية هائلة تأتي منصور لتلبي رغباته المتوحشة ولكن ((مات منصور وفي جسده تلك الرغبة الجارفة الزاحفة إلى كل أعضائه وأحلامه وهواجسه منصور مات وتلك الأمنية الحارقة خبت في جسده )) هذه نهاية الإنسان دائماً يداهمه الموت قبل أن يحقق أحلامه ويبقى الحلم حلماً حتى وإن كان خارجاً عن القانون !!! عماد المستسلم داهمته الرتابة : حيث يقول : ((تسألت مرة عن سر الكآبة التي تنتابني كل سبت فلم أجد لها تفسيراً ولكني عثرت على سبب واحد هو أن السبت أول أيام الأسبوع وإن كلمة السبت تحمل في طياتها عملاً متواصلاً لمدة ستة أيام )) التردد الداخلي لدى عماد سبب له عجز عن إخراج عواطفة ومشاعرة حيث قال : (( في ليلة التاسع من تشرين ، ذهب منصور لزيارة أصدقائه في إحدى القرى المجاورة وبقيت في البيت حاولت كتابة قصيدة كتبت بضع مقاطع ثم تعقدت قريحتي تذكرت نادية حاولت أستنماء صورتها فلم أفلح خرجت ...كنت أحس بأن رأسي مليء وصدري وبطني كلي محشو بأشياء كثيرة تمنيت لو أستطيع تفريغها على الورق لكنني فشلت أخرجت دفتراً صغيراً يحتوي كل القصائد التي كتبتها أيام الدراسة قرأتها جميعاً ، صنعت فنجان قهوة خرجت مرة أخرى لمشاهدة القمر ، بقي السؤال خرجت مرة أخرى دون أن أدري لماذا أحسست باختناق أمسكت بدفتر القصائد مزقته إلى قطع صغيرة ثم أحرقتها )) * من الطيب ومن الشرير ؟ رغم التيه الذي عشناه سابقاً إلا أن عماد يصفعنا بحقيقة مرة وسؤال عميق بعيد الهوة (( أدير موسيقى (( الطيب والشرير)) – وهي موسيقى لـ ( اينايو مورو كوني ) - أتخيل الفيلم شاهدناه أنا ونادية في عمان )) في هذا الفيلم حدد لنا المخرج المبدع/ سيرجيو ليون من هو الطيب ومن هو الشرير ومن هو القبيح ؟ في الرواية قال عماد :(( رغم كل شيء من هو الطيب ؟ ومن هو الشرير ؟ )) ولم يقل القبيح لماذا لأن القبح من أصبح من المسلمات أصبح شيئاً ملموساً ، حقيقة لامناص منها !! قال عماد: (( رغم كل شيء من هو الطيب ؟ ومن هو الشرير ؟ هذه مشكلة . )) وأقول طبعاً هذه مشكلة متجذره في عمق لكل إنسان سعودياً أم غير سعودي ، هذه المشكلة ليست مشكلة منصور أو بوعايض ، عماد ، هذه المشكلة مشكلتنا نحن أنا وأنت وجميع البشر ثم قال :(( وهنا نبحث عن أنفسنا ربما عن البدائل الغارقة في أعماق الذات )) هنا حاصرنا المؤلف وبدأ في الخنق بدأ يخنقنا نحن الذين نلبس أقنعة مختلفة !!! أخيراً : إن جمال ناجي لم ينقل لنا معاناة إنسان بلحارث فقط بل معاناة الإنسان العربي لذا كان منصفاً في نقل حقيقة المكان والشخوص والمشاعر ، حيث قال مرة : (( معاناة إنسان بلحارث هي معاناتي)) إن الجنوب والذي كان طريقه مليء بقرى التنك قبل ثلاثين عاماً قد أنتقل نقلة حضارية هائلة فلم يعد هناك الآن لا قرى ولا تنك !! هذا هو الجنوب يعلمنا دائماً بكل صراحة ووضوح ودون أي نفاق أو مجاملة كيف يكون الإنسان ؟؟!!!

بمجرد أن فرغت من قراءة ما كتب على الغلاف ازدحمت وتكاثرت الأسئلة في رأسي وتحفزت للتعرف على عالم المرأة في (جانجي).
تجرأت وامتطيت جناح الشوق وحرثت الأسطر من مبدأها لمنتهاها لأعثر على ثماني شخصيات نسائية هم (أم خالد) و(محبوبة السارد) و(محبوبة خالد) والقراصنة الهكر (فات وريمان) وسارة وزوجة حبيب الرحمن والسيدة الأسبانية.
لقد سلكت جانجي منحى معتمدا على تنوع الشخصيات النسائية فهناك المحبوبة والزوجة والأم المرضع والأم الصابرة على بعد ابنها والمحبوبة كعزيزة المجروحة ومحبوبة السارد السعيدة و(الهكر) وأسبانية ومالكة الفندق. وأفغانية متعاونة مع زوجها في إخفاء المطاردين.
بذلك خلا من الإثارة المبتذلة واستطاع الالتفاف على الأعمال الهزيلة والتي لا تحسن إلا التشويق وإثارة الغرائز فهي تعجز عن توظيف المرأة الفاتنة توظيفاً يخدم العمل كدلالة رمزية أو لتبين موقفًا أو شعوراً وحالة نفسية... الخ.
بتذاكي تمكن العمل من تحريك بؤرة التركيز من الجسد للوظيفة.
والملمح الثاني التأرجح (البندولي) الجميل بين الافتتان بالمعشوقة والفقدان للصديق يقول السارد (لا أدري هل كانت خيانة مني للصداقة عندما بدأ الحب يأخذني إليها متنقلا من طور الصداقة الهادئ إلى زوبعة الحب الجارف).
ذاك الحب القادر على أن يحدث الهزة التي تقلب الموازين فلا يعرف القيود ولا يعترف بالحدود الجغرافية ولا الاجتماعية ولا الاقتصادية.
يتحدث السارد عن الحب لصديقه الحميم خالد وهما متجهان لبيت محبوبته (يا عزيزي عش معها الواقع وامزجه بالخيال وعطره بالآمل، الأمل أجمل شيء في هذا الكون).
يشير في ساعة متأخرة من الليل إلى النافذة المضاءة أن محبوبتي ساهرة لتكتب رسالة لي ثم بعلكة دبقة ممضوغة يقذف نافذتها فتتحرك ستائرها ويظهر شقيقها ولا يملكان إلا أن يلوذا بالفرار! وتنتهي قصة ذاك الحب بنهاية سعيدة بأن يتقدم لخطبة محبوبته.
وأما الحب الثاني حب خالد وعزيزة يتعذر علينا أن نلج داخل عوالم هذا الحب كما هو الحال في السابق لأن السارد قد استفاض بنقل حبه الناجح وغض الطرف قليلا عن صورة الحب الآخر.
فنشاهد خالد يكتفي بطرق بابها ليفتح له عمه ويسأله عن بنته. هذا الحب قد انتهى برحيل خالد وبحث وفقدان وبكاء عزيزة عليه مقتصراً على تلك المشاهد اليسيرة دون تكثيف لمشاعرهما النفسية المجروحة.
وبدقة رسمت خطوط لوحة بين الجنسين بأنها مزدوجة فللمجتمع ما يحافظ عليه من تقاليد في الظاهر وللحياة الخاصة استقلاليتها!
ونتلمس من بين ثنايا العمل النزعة الذكورية في تكامل وحضور الشخصية بشكل مكثف بحيث كأنك ترى بعينك الرجال وهي تتحدث أو تتحرك.
أما الحال للشخصيات النسائية فقد كانت من حيث العدد تشكل تواجدا أقل لكن مقنع باعتبار أن الكاتب هو الوحيد الذي يملك الحق في بناء عالمه الروائي لكن لم تتكامل في العمل شخصية نسائية واحدة بل افتقرت إلى أزميل العالم الروائي الذي ينحت ملامح الشخصيات فيجعل لها جسداً يحويها ويبعث الحركة فيها، ويلبسها جيداً متنوعاً وشعراً منوعاً ووجها مليئا بالتعابير أنه الأزميل الذي يكسو أرواح الكلم أجساداً تحيا بها.
تلك اللذة الغائبة تبرز الحاجة لها في تواري ملامح وجه الأم المليء بالحنان وهيئة محبوبة السارد التي لم يذكر اسمها ولا وصفها فلا يمكن أن يعشق خيالاً وحين تجرأ العمل وذكر اسم عزيزة محبوبة خالد وصفت بأنها شبح أسود ينتحب ساعة المغيب وتغطي تلك الهالة الضبابية حتى لا نستطيع أن نفرق بين الصفات التي تميز كل عرق نائي عن الآخر فهناك العربية والافغانية والاسبانية ولكل منها وصفها ومكامن الجمال فيها يمكنني القول بأن حضور المرأة في جانجي كانت حاضرة على مستوى الحدث ومخبأة لم يظهر منها شيء إلا خيالات طيف
التيه في البحر والصحراء قراءة لـ(رياح وأجراس) فهد الخليوي طاهر الزهراني عندما رأيته عرفت أن أصله من الصحراء ولكن غيره البحر كثيراً، الجميل أنه جمع صفات الصحراء الرائعة وترك غير ذلك ثم رضي بعد ذلك، بعد أن نزع أسماله، أن يشق غمار البحر!. لذا لا أتعجب عندما أسمع أنه أخرج عمله الأول بعد ثلاثة عقود!.

قبل أن أسقط على هذه الدنيا كان فهد الخليوي يكتب قصصه، كان يكتبها قبل عقود ويأبى إلا أن ينشرها الآن على مضض لضغط أصدقائه وأحبته عليه لينشرها بعد أن مزق الكثير من نتاجه!. وكأنها رسالة إلى الجيل الصاعد أن الكتابة ليست عملية تغوط!، بل هي تجربة حياة وقراءات تراكمية في رحلة العمر!.
ثم نفاجأ أن النصوص التي كتبت قبل ولادتنا تحمل نفس التقنيات السردية والمضامين الإنسانية والاجتماعية التي نفتقر إليها الآن في قصصنا ونصوصنا الحالية!.
الغريب أن هذه النصوص تنبض إلى الآن. هذا ما أثار كثيراً من علامات التعجب والاستفهام حتى قابلته فعرفت السبب؛ السبب أنه إذا تكلم مع أحد فإنه يغمض عينيه فيعلم المستمع والرائي أن كلماته نابعة من قلبه ومتدثرة بثقافات هائلة، لذا زاد يقيني أنه حين يكتب يكون أبلغ صدقاً وشعوراً. هذا أمر.
الأمر الآخر أنه تنوع في ذكر الجوانب الإنسانية والقضايا الاجتماعية التي أهملنا كثيراً منها بشكل أو بآخر، لا بل تم تأطير الأدب في أمور وقضايا مستهلكة.
في المجموعة القصصية الصغيرة والعميقة جداً للأديب فهد الخليوي نجد أنه تطرق إلى جوانب عدة كـ(الغربة، الاستبداد، الثقافة، الحميمية، التخلف، المرأة، الحضارة، الانتماء، الجمال، الشفقة، الظلم، الظلام، الخذلان...). وذاك أنه مؤمن إيماناً شديداً بأن الأدب لابد أن يسبر أغوار المجتمع وأن يسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في حل قضاياه وإلا أصبح أدباً هشاً مهزوزاً!.
البحر والصحراء في النصوص:
رغم أن أغلب نصوص المجموعة نصوص مفتوحة وكذلك الزمان والمكان إلا أن السارد أو البطل يتطلع إلى ما هو أرحب وأوسع. إنه يبحث عن المكان المطلق والزمان المطلق وذاك أنه يتمتع بروحٍ وقّادة ونفس جامحة إلا أن هذا لا يبلغه مرامه، لأن ما يقصده السارد هو الانطلاق الإنساني -فكرياً وروحياً وثقافياً- لذا ظن في البداية أن المرء يتكيف (مع وحدته، ويتخلص في وهاد الصحراء... ويتحد مع رموز لا نهائية) ولكنه صدم فقد (كانت أصداء الصحراء، تجسد وحدته وتشعره بتفرده) طالما أن الشخص يرزح تحت قيود الجاهلية والتخلف فإن المكان وإن كان بحراً أو صحراء، فإنه سيبقى مقيداً مهما أوتي من مقومات الانطلاق فالاتساع لن يكون ميداناً للانطلاق بل سيكون فراغاً والرمال مهما كانت ناعمة فإنها حارقة، الرياح مزعجة، والأشواك تعلن المحاربة والعداء، حتى في (بقايا الذاكرة) سيصبح (الاتساع والفراغ، والرمال الناعمة الحارقة بصهدها، الجبال البكماء البعيدة، أزيز الرياح، شجيرات الشوك الداكنة التي تدمي شرايين الأقدام) ذكرى موحشة ستكون (سطور من تراث الوأد).
حتى الجمال لا ينال إلا بالعداء أو التعسف الذي ينتهي بـ(سعار مخيف) أو ضياع وهروب كالغزالة التي هربت (مذعورة إلى مجاهل الصحراء).
عندها علم أن (خارج المدينة ليس إلا تيه قاتل وصحارى قاحلة) وأناس (يلوحون برايات سوداء، ويحملون فوق كواهلهم ليلاً حالك وسلاسل غليظة وبقايا وأد قديم).
لذا انطلق إلى المكان الذي تأكد له أنه مأوى للعطشى والمنطلقين إلى اللانهاية، سكن مدينة وليس أي مدينة (كانت المدينة تمتد كشريط من اللؤلؤ بمحاذاة الشاطئ) بعيداً عن الرايات والليالي السود والسلاسل والوأد المرعب، ذهب إلى أناس (قد اكتسبوا المرونة وسيرة التسامح في سلوكهم كما تقتضي طبيعة المدن) ولم يكتف بذلك بل (تزوج أنثى جميلة من أسرة هندية) لا تنتمي إلى البحر بل إلى المحيط!.
(ذهب إلى البحر صديقة القديم وملهمة لكتابة قصيدة ظلت زمناً تختلج في متاهة وجدانه) ثم (سلك الطريق المؤدية إلى البحر وهناك وقف على الشاطئ منصتاً لدمدمة البحر) ثم أخذ ينسج قصيدة لم ينسجها من قبل!.
(كان سرب الطيور يغرد فوق البحر) فجأة (دفعته شدة الرياح للتحليق بعيداً باتجاه الصحراء) نظر فإذا بامرأة تقترب من الشاطئ وتنزع ملابسها الرثة القذرة (قرب الشاطئ المقفر، توغلت عميقاً نحو البحر وهوت) عقدت الدهشة لسانه وهو يتساءل:
هل عاشت في الصحراء مثله؟
هل لعنت الظلام؟
هل وأدت نفسها أم تمارس طقوساً من حريتها؟!.
أخيراً تنتهي مجموعة الخليوي، لتؤكد لنا في النهاية أن التأويل في النصوص المفتوحة غير ثابت، بل هو متحول ومتنوع، وهنا تكمن روعة النص الذي تسبر مكامنه سواء كنت -قارئاً/ ناقداً- دون أن يفرض عليك أحد رؤى معينة أو معاني قد تكون في أحيان كثيرة واهمة!.
* كاتب سعودي
كتابة الرواية هي ملاذ من الضياع
لماذا أكتب الرواية؟سؤال مباغت حد اللطم!!دعني أعمم السؤال أولاً ثم أجيبك، بصراحة لم أكن متردداً في إجابة سؤالك بالتحديد ولكن أردت أن أمهد بالتعميم!!الكتابة في نظري هي عملية خلع للملابس المكدسة فوق ظهورنا ولكل مرحلة ملابسها ومقاساتها ورقعها!! - ربما أنك تعي ما أقول تماماً -. منذ أن علمتني أمي الكتابة بقلم الرصاص على دفتر غير مسطر، كانت تعلمني في الوقت نفسه أن الكتابة ليس لها طريق محدد بتاتاً!!لكل كتابة مغزى، أما الكتابة الروائية شيء آخر يقول نجيب محفوظ عنها: ((هي الملاذ من الضياع...)). عندما أعيش في ضياع أو أعيش في ضياع غيري فإن ملاذي الوحيد هو الكتابة!صحيح أني في طور المحاولة ولكن هذا الطور أعطاني الكثير وخسرت من أجله الكثير بل تألمت من أجله كثيراً لا بل تحملت بعد ذلك تبعات أرعبتني!!إن الكلاب المسعورة التي تهرش دواخلنا وتمزق أفكارنا لن نستطيع أن نردعها ونضمد جراحنا بعد ذلك إلا بالكتابة لهذا ما نكتبه هو مجرد أثر للجراح يا عزيزي!!لماذا بعض الروايات؟ لا نقول الروايات دعنا نقول بعض الأعمال لماذا نشعر أمامها أننا أمام مجرد عبث كلامي بذخ معرفي؟أجوابك، لأن البعض ليس بداخله وريد مبتور يتخبط عجز عن ربطه أو نزعه بالكلية!!المصيبة أنه عندما تكون مضطراً لأن تبكي بوحاً ويسعى أحدهم للجم بكائك لأنه لا هم له في الحياة إلا شنق الكلمات وصلب الأفكار!!
لم تتضح بعد الرؤية النهائية حول رواية (جانجي) لطاهر الزهراني التي مُنعت في وقت سابق من قبل رقابة وزارة الثقافة والإعلام رغم أن الدكتور أبو بكر باقادر وكيل وزارة الثقافة والإعلام لشؤون العلاقات الخارجية رأى في الرواية أنها تقدم الصورة الحقيقية وتشتمل على العديد من الجوانب الإنسانية والتي يزخر بها مجتمعنا وقام بترجمة هذه الرواية.. وتحكي الرواية تجربة معتقل في سجن جوانتانامو أُسر في أفغانستان في قلعة جانجي أثناء الغزو الأمريكي لأفغانستان ويعرض المؤلف في روايته أبياتا لغازي القصيبي يقول فيها: لا تهيئ كفني ما مت بعد لم يزل في أضلعي برق ورعد أنا إسلامي أنا عزته أنا خيل الله نحو نصر الله تعدو أنا تاريخي ألا تعرفه خالد ينبض في روحي وسعد وكان مؤلف الرواية قد قام عندما علم بمنع الرواية وعدم إعطاء الفسح لها بالتوجه إلى إحدى دور النشر العربية وقام بطباعتها؛ في الوقت الذي لا زالت الرواية تنتظر إذنا بالفسح وبالتوزيع نافيا علمه بنية الجهات الرقابية بوزارة الثقافة والإعلام الحالية فسح الرواية والسماح بتوزيعها، وقال بأنه لم يستلم أي موافقة رسمية بعد ..مدافعًا عن عمله الروائي (جانجي) قائلاً إنه لم يتعرض للتعديل إلا في مواضع بسيطة ارتأيت أن أعدل فيها وأن أغيرها بعض الشيء.. وقد حاولنا أخذ رواية رسمية عن سبب المنع من إدارة المطبوعات العربية بوزارة الثقافة والإعلام لكننا اصطدمنا بضبابية الآراء التي تقول بأن الرواية ليست ممنوعة أساسا وبين الآراء التي تقول بأن الرواية لم تعط إذنا بالفسح وبين الآراء التي تقول بأنها ممنوعة من التصريح لوسائل الإعلام .. هذا وقد طالب بعض الكتاب والمثقفين برفع الحظر عن الكتب الممنوعة وأكدوا بأنه في اللحظة التي يتم فيها منع الكتاب فإننا نسلط الضوء عليه بينما أن التجاهل التام للكتاب الممنوع الوسيلة الكافية لقتله على حد تعبير البعض ، وطالبوا بنشر الوعي بين أفراد المجتمع بدلا من سياسة المنع التي أصبحت مطلبا للكثير من الكتاب الفضائحيين للحصول على الشهرة التي يحلمون بها .. فيما رأى البعض الآخر أن سياسة المنع مطلب ضروري لتسجيل موقف رسمي واع.. رفض يحترم وقرار غير ملزم! ورغبة منا في إلقاء الضوء على أطراف هذه القضية استضفنا مؤلف الرواية طاهر الزهراني فتحدث قائلا : بداية أعتقد أن روايتي لم تمنع بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة ولكن أتوقع أن هناك وجهة نظر رأت بعدم فسح هذه الرواية ، وأنا قدمت عملي للوزارة لرغبتي في عمل وإنهاء جميع الأمور القانونية المتعلقة بالنشر لكي أتجنب أمورا كثيرة يعرفها المؤلف ، وفي اللحظة التي كنت أقدم فيها العمل توقعت بأن العمل سيثير كثيرا من الملاحظات وهذا ما تم عندما اطلع رقيب إدارة المطبوعات العربية وقال بأني تجاوزت الكثير من خطوط المراقبة الحمراء ومن هذا القبيل وتم إبداء بعض الملاحظات عليها وتم رفعها للإدارة العامة للمطبوعات دون الرجوع إلي حتى ولم أعلم إلا عندما رجعت إليهم مستفسرا عن وضع العمل لأفاجأ بأن العمل لم يفسح ومسجل لديهم بالاعتذار فقدمت العمل بعد اعتذارهم المسجل لدار رياض الريس وتم قبوله على الفور لتتجدد القضية بعد ذلك في إحدى المطبوعات المحلية وأنا وضعت في اعتباري الدور المهم الذي تقوم به وزارة الثقافة والإعلام لذا حرصت على أن آخذ موافقتهم القانونية امتثالا لقانون المطبوعات لدينا إلا أن وجهة نظر مراقبي الوزارة -والتي أحترمها إلا أنها ليست ملزمة لي- لم تمنحني الموافقة لذا توجهت بعد ذلك إلى دار رياض الريس.. ترقيع مرفوض وأضاف الزهراني بأن النص الروائي ليس كالنص الشعري أو القصصي فهو نص فضفاض يحتمل التعديل الذي يجرى عليه والذي تعرضت له روايتي في مواضع بسيطة إلا أن كثرة التعديلات لا يرضاها أي أحد فلا أظن أن أحدا منا يقبل بأن يكون عمله عملا مرقعا ، فعندما استرجعت عملي فتح لي المجال فأجريت بعض التعديلات وأضفت بعض الإضافات .. وقال الزهراني بأن قضية الفسح من عدمه دائما ما تكون متعلقة بالمراقب ،وهذا المراقب تكون رؤيته للعمل بأنه عمل أدبي وإبداعي فيعطي إذنا بالفسح وإما أن تكون رؤيته تؤول العمل وتفسره بتفسيرات يرى من خلالها وجوب منع العمل ،مع أنه في أيامنا هذه أرى أن سياسة المنع لا تجدي نفعا لأن المنع دائما ما يكون في صالح الكتاب الممنوع وفي نفس الوقت تصبح مسألة الحصول على الكتاب أمرا سهلا نظرا لانتشار المواقع الالكترونية التي تتيح لنا الحصول على أي كتاب نريده حتى ولو كان ممنوعا في الوقت الذي تغض الجهات الرقابية الطرف عن مثل هذه الممارسات نظرا لأن دخول مثل هذه الكتب وبهذه الطرق دائما ما تكون لأشخاص معينين وبما أنها ليست قضية تجارية فيتم السماح لهذه النسخ الشخصية بالمرور، نقطة أخرى تبعث على الحيرة ،ففي اللحظة التي يمنع فيها الكتاب يسمح به في المعارض الكبرى ، ولا ننس أن الممنوع مرغوب فالناس دائما ما تتبع الكتب الممنوعة فعندما يقام معرض للكتب عندنا ترى المجتمع يتهافت على هذا الكتاب الممنوع حتى وإن كان هذا الكتاب أو هذا العمل الأدبي ضعيفاً فنياً، مع دعوتي للحكم على العمل من خلال الرؤية العامة والشاملة للعمل وليس من خلال جزئيات معينة لو ابتسرناها من العمل لتأثر الحكم الموضوعي على العمل بأكمله.. منع و ترويج! ويمضي الزهراني قائلاً: هناك أنباء ترددت عن أن العمل لو قدم مرة فإنه سيفسح ويعطى له إذن بالتوزيع لو قدمت العمل مرة أخرى وهذه الأنباء لا أعلم عنها شيئا إلا أن مثل هذه الأنباء تجعلني أفكر في عرض عملي عليهم لأني أتمنى أن أحصل على الفسح وأن أجعل الظروف الطبيعية تحيط بعملي قدر المستطاع نظرا لأن البعض يوظف قضية المنع من أجل ترويج عمله وأنا ضد هذا التوظيف لأن أي عمل ناجح يملك مقومات النجاح فيه وهذا ما حصل لعملي عندما اطلع عليه الدكتور أبو بكر با قادر وقام باستدعائي لمكتبه وأبدى إعجابه بالرواية ولغتها السهلة والبسيطة واشتمالها على الكثير من الجوانب الإنسانية والعمق الإنساني وهذا ما ميزها عن غيرها من الروايات التي تقرر عند الغرب بأننا مجتمع سيىء بينما رأى أن العمل يشتمل على الكثير من الجوانب الإنسانية التي تقرر عندهم بأننا مجتمع إنساني عاطفي ،ربما يشذ منا من يشذ ولكننا لسنا مجتمعا ينشأ على فكرة إراقة الدماء والتفجير والتكفير على حد تعبيره وبالتالي تشجع لترجمة العمل حتى يبين للآخر من نحن بالضبط وأراني مخطوطا من الترجمة وقال بأنه على وشك الانتهاء من ترجمة الرواية مما يدل على القدرة الهائلة لدى الدكتور باقادر في الترجمة لأن الكل يعرف الترجمة وما يكتنفها من صعوبات والدكتور أبو بكر على الرغم من مسؤولياته الكثيرة إلا أنه أنهى الترجمة في فترة وجيزة تدل على ما يتمتع به هذا الرجل من مميزات في مجال الترجمة وأنا لا أخفي سعادتي باختيار عملي من بين أعمال كثيرة وترجمته ووافقت من اللحظة ذاتها وقمت بكتابة إذن خطي للدكتور باقادر يبين موافقتي على ترجمة العمل .. (الأربعاء) حاول الوقوف على وضع الرواية الحالي لدى الجهات الرقابية إلا أننا اصطدمنا بضبابية الموقف وباعتذارهم عن التصريح لوسائل الإعلام.. فعمدنا إلى استطلاع رأي بعض الكتاب والمثقفين تجاه سياسة المنع ضد بعض الكتب والتي تقوم بها الجهات الرقابية التابعة لوزارة الثقافة والإعلام.. لا جدوى للمنع! بداية تحدث إلينا الروائي يوسف المحيميد قائلاً: إن وزارة الثقافة والإعلام عندما تقوم بمثل هذا المنع فإنها تمارس دورها الرسمي والحكومي وإن كنت لا أؤيد ما تقوم به الوزارة من منع لبعض الأعمال كما هو حاصل مع رواية (جانجي) لطاهر الزهراني، فأنا من سنوات طويلة أتحدث عن هذا الموضوع وعن هذه المرحلة ويجب أن نتجاوزها سريعا فلم يعد ثمة جدوى من الرقابة ومن منع الكتب لأنها أصبحت الآن تتواجد في أكبر موسوعة معرفية ألا وهي الانترنت وأصبحت هذه الأعمال الممنوعة تباع نسخ منها سواء كانت نسخا ورقية أم نسخا إلكترونية فأنا أرى سياسة المنع ليست ذات جدوى ويجب أن يتم تجاوزها سريعا بل أحيانا أتجاوز هذا الأمر بأن يتم تجاوز حتى الرقابة على المخطوطات وتطبع الكتب بضمانة الناشر المحلي بمعنى أن يصبح الناشر المحلي هو المسؤول عما يطبع.. وأضاف المحيميد بأن السوق يحتمل الكتاب الرديء والكتاب الجيد ولكن إذا كانت هناك سلطة ورقابة سواء كانت رقابة من الجهات الحكومية أو كانت رقابة من وزارة الثقافة والإعلام أو كانت رقابة مجتمعية تكون رقابة لاحقة للنشر كما يحدث في جميع دول العالم فحينما ينشر الناشر المحلي أو الناشر العربي الكتاب ويتواجد بالأسواق ثم تأتي بعد ذلك ردة الفعل من ملاحظات وما يثيره من مشاكل من قبيل التعدي على أشخاص بالاسم أو أنه يسيء إلى أحد أو إلى جهة معينة وما شابه ذلك فيأتي الاعتراض عليه وبناء على هذا الاعتراض يتم سحب الكتاب من السوق وأحيانا يكون هناك نظام يحدد عقوبات للناشر أو لمؤلف الكتاب .. واختتم المحيميد كلامه بأن من الممكن أن يؤدي المنع إلى إقبال متزايد على الكتاب لأن القارئ دوما يبحث عن الممنوع ولكن دائما ما أقول بأن مبيعات أي كتاب من الكتب عندما تصبح عالية لا تعني بالضرورة جودة الكتاب فأحيانا كتب الإثارة حتى في الغرب تحقق أعلى المبيعات لكن الكتاب المتميز لا يحقق مثل هذه المبيعات .. نشر سياسة الوعي د.سعاد المانع أيدت المحيميد وعلقت قائلة : أعتقد أن سياسة منع الكتب ليست صحيحة كليا فأحيانا منع كتاب ما يزيد من الإقبال عليه سواء عن طريق الشراء أو عن طريق التصوير فأنا في تصوري بأنه بمجرد أن تمنع كتابا فأنت في الوقت تسلط عليه ضوءا كبيرا ليشتهر وليقبل عليه الناس لذا أرى أنه من الأفضل أن تترك كل الكتب، وإذا تضمن الكتاب قيما غير جيدة يصدر كتاب يناقضه أو مقالات تتناول محتوى هذا الكتاب مع أني أصر على أن إهمال الكتاب يكفي لقتله لأنه بمجرد ما أن تكثر الردود ويكثر الأخذ والرد حول كتاب معين فنحن نسلط الضوء عليه أضف إلى ذلك أننا في المرحلة الحالية التي نعيشها أصبح هناك ألف طريقة وطريقة تأتي بها الكتب والمطبوعات المختلفة وذلك عن طريق المواقع الالكترونية .. وأضافت المانع قائلة : لدينا مثال حي أدلل به على ما أقول ألا وهي رواية بنات الرياض التي وصلت عدد طبعاتها عندما كانت ممنوعة إلى سبع طبعات هذا غير الكميات المصورة التي كانت تستبدل بين الناس وأنا في تصوري لو أن الرواية لم تمنع لما أثارت كل هذه الضجة ولما تعدت طبعات هذه الرواية الطبعة أو الطبعتين لأن الشهرة التي حققتها هذه الرواية كانت بسبب المنع الذي تعرضت له والهجوم الذي ووجهت به عند صدورها وفسحها والسماح لها ببيعها هنا .. واختتمت المانع كلامها بأن وسائل نشر الرذيلة أصبحت متعددة فالقنوات الفضائية التي تنشر الخليع والخليع فقط أصبحت تحيط بنا من كل جانب لذا أرى أنه بدلا من المنع أرى أننا نقوم بنشر الوعي بين الناس وبالتالي إذا وجدت البضاعة الرديئة أنه لن يكون هناك من يشتريها فإنها بنفسها تنحسر وتتلاشى حتى لا تكاد تذكر .. الرقابة مطلوبة! أما الروائي إبراهيم سنان فقد أيد سياسة المنع وتحدث لنا قائلا: أعتقد في كثير من الأحيان أن الرقابة مفيدة لأنه بدأنا نرى بوادر اهتمام بالثقافة من الفئة الشابة وازداد اهتمامها بالشأن الثقافي نظرا لتنوع قنوات المعرفة وأرى أن هذه الفئة تحتاج توجيها فنحن عندما نراقبها لا نصادر حقها في الاطلاع ولكن نراقبها لحاجة مثل هذه الفئات للتوجيه في أي مجتمع ونحن بمنعها نصدر رأيا لأنه من الأحيان تأتي الفسوح وتمنع بمجرد إعطاء الرأي بشأن العمل مثلما حدث من وزير الثقافة والإعلام في نادي جدة الأدبي عندما أتى على سيرة رواية لم تفسح رغم أنها أثارت ضجة كبيرة في الوسط الثقافي ،فكان الفسح هنا من الوزارة بأنها لا تسمح بمثل هذه الأعمال ولكن لا تمنع تواجدها حيث انه لم يكن هناك مصادرة للكتب من المكتبات ولم تكن هناك مساءلة قانونية لأي أحد قام بعرض وبيع هذه الرواية ،أحيانا يكون الفسح ورأي الوزارة هو للمحافظة على المستوى الرسمي والخاص بها كمؤسسة حكومية .. وأضاف سنان ان الكلمة لها تأثيرها الكبير لأنها هي من تبني الجسد الثقافي والفكري وهي التي تحول الأفكار إلى شيء مادي وخصوصا في المجال الروائي لأنها تجسد الأفكار بصور وأخيلة لذا أرى أن تأثيرها كبير؛ لأن العاطفة الشعبية لا يمكن التحكم بها وأضرب هنا مثلا برواية بنات الرياض التي كانت تحمل الإثارة في العنوان فقط لأن الرواية كانت أقل من عادية أدبيا وفكريا والتجاوزات فيها لم تبلغ التجاوزات التي ظهرت في روايات أخرى بعد ذلك مثل رواية ملامح وغيرها من الروايات ، نعم هناك من يكتب للرقابة ويسعى لإنتاج أدب محظور وهذه أصبحت وسيلة تسويقية جديدة يستغلها الأدباء للإشارة إلى أنفسهم قد نجد كاتبا لديه عدة كتب ولكن الكتاب الذي تعرض للمنع والحظر هو الكتاب الذي اشتهر من خلاله لكن رغم ذلك أرى أن المنع هو الوسيلة الأنسب لتسجيل موقف رسمي على الأقل .. وأضاف سنان بأننا عندما نمنع فإننا لا نمنع من أجل الحفاظ على الفكر الشعبي العام ولكننا نمنع من أجل عدم إثارة هذا الفكر فقط ،أحيانا الوزارة تضع خطوطا رسمية تأييدا للرفض العام ولإخلاء مسؤوليتها بينما الرأي العام يمنع أشكال معينة من الكتب انسياقا وراء شعور ومتجذر ناحية هذه الأشكال المعينة من الكتب وأدلل هنا بقضية أدب المرأة لدينا التي لا نزال حساسين تجاه أدبها أما من ناحية الحرية فقد أصبحت متاحة للجميع والشعب أصبح يتفاعل مع كل ما يصله سواء منع أم لم يمنع .. واختتم سنان كلامه بأن مجتمعنا يشهد حراكا ثقافيا من حيث المبادرة وردات الفعل على هذه المبادرات حيث اننا نرى إنتاجا يناقض إنتاجا سابقا وهذا دليل على الحراك الثقافي الحاصل وعلى مستويات كبيرة وشابة إذ اننا لو نظرنا في السابق لما وجدنا هذا الحراك الثقافي فيه حيث ان النخبة كانت هي المسيطرة والمتماشية مع الخطوط العريضة لرقابة الإعلام والجهات الحكومية الأخرى حيث كان ما يقدم لا يثير أحدا ،أما في هذا العصر فقد تصدر له الشباب وأصبح ميزة تميز حراكنا الذي كان لا بد أن يظهر في فترات سابقة ..
جريدة المدينة -ملحق الاربعاء
تناولت تجربة معتقل في "جوانتانامو" وتصدر في أمريكا نهاية العام جدة: محمود تراوري

رواية جانجي
فرغ وكيل وزارة الثقافة والإعلام للعلاقات الثقافية الدولية الدكتور أبوبكر باقادر من ترجمة رواية (جانجي) لمؤلفها طاهر الزهراني إلى اللغة الإنجليزية، ويتوقع أن تصدر نهاية العام الجاري أو بداية 2008 إلى جانب كتاب (أيامي) وهو أقرب لسيرة ذاتية كتبها الأديب المكي الراحل أحمد السباعي (1323 - 1405هـ) قام باقادر بترجمتها أيضا.
والمفارقة أن الرقابة السعودية التي تتبع للوزارة نفسها، لم توافق على فسح رواية "جانجي"، التي صدرت في مارس هذا العام عن دار رياض الريس، كثالث تجربة للزهراني بعد (أيفه) و(الصراع الدامي) الصادرتين عن دار" المحمدي" في جدة.
وستصدر الترجمتان" جانجي" و"أيامي" عن دار "القارات الثلاث" للنشر في أمريكا، التي سبق لها أن أصدرت عام 1990 كتابا باللغة الإنجليزية حوى عدة قصص عربية كتبتها أقلام سعودية حمل عنوان (اغتيال الضوء) اختارها وترجمها وقدم لها الدكتور أبوبكر باقادر بالاشتراك مع قلم أمريكي. وكان من أبرز الأسماء التي ترجمت أعمالها (إبراهيم الناصر، محمد علي مغربي، محمد علي قدس، فؤاد عنقاوي، شريفة الشملان، خيرية السقاف، لقمان يونس). ووصفت حينها تجربة باقادر بأنها تجربة تاريخية رائدة، وتحمل فيها المسؤولية، ولكن غلب عليها الهم الاجتماعي بحكم تخصصه. بينما يصف باقادر تجربته الجديدة مع رواية "جانجي" بأنها جاءت ممتعة، وأن أعماله الكثيرة كوكيل لوزارة الثقافة والإعلام للعلاقات الثقافية الدولية لم تثنه عن حماسته للترجمة لتكون ناجزة مع نهاية العام، لتصدر في بداية 2008.
وأوضح باقادر لـ"الوطن": الرواية ميزتها سلاستها، وما دفعني لترجمتها بالدرجة الأولى هو اشتمالها على البعد الإنساني والجوانب الحميمية، ولم تجنح لإدانة المجتمع المحلي باعتباره مصدرا للإرهاب على نحو ما أوردته بعض الأعمال التي تناولت هذا الموضوع أو أوحت به مثل (هند والعسكر) لبدرية البشر، و(الإرهابي 20) لعبدالله ثابت. ففي "جانجي" التي تتكون من خمس لوحات عفوية بسيطة، يتصاعد فيها الجانب الإنساني العميق، من خلال علاقة صديقين يتذكرها أحدهما بعد خروج الآخر، وتورطه في سجن قلعة جانجي في أفغانستان، ثم وصوله لمعتقل جوانتانامو، وانثيال الأحداث من خلال سرد الصديق، ومراسلته لصديقه، وإيراد كل المشاعر الإنسانية العميقة التي تؤكد أن ذلك السجين المتهم بالإرهاب ما هو إلا بشر له مشاعر وأحلام ويملك حبا وأغنيات وذكريات. لذلك تحمست لترجمتها لأني أتصور أن مثل هذه الأعمال التي تبرز الجانب الإنساني في مجتمعنا هي التي يفضل أن نقدمها للآخر في طريق تغيير الصورة النمطية السلبية عن مجتمعاتنا.
الدكتور باقادر لفت إلى عدم وجود جهد مؤسساتي ينهض بهذه المهمة، والأمر لا يعدو مبادرات فردية يقوم بها البعض، تضاف إلى اجتهادات أخرى مشتتة تقوم بها بعض المؤسسات الأكاديمية في الغرب لنقل نماذج من أدبنا المحلي على حد قوله.
طاهر الزهراني
وإن دل هذا على شيء فهو يدل على أن جميع مؤسساتنا الثقافية، وعلى رأسها وزارة الثقافة وما يتفرع عنها تسير وفق إستراتيجية ناجحة للرقي الثقافي على المستوى المحلي أو الخارجي وهذا ما نراه هذه الأيام.

رواية (جانجي) لطاهر احمد الزهراني ترصد هذه الظاهرة لا بوصفها مراقباً ولكن بروح من عاش احداثها.
فكيف تحول الشاب الارستقراطي من مدمن لارتياد افخم المطاعم ووجباتها ذات الأسماء الاجنبية الكثيرة الى شخص يتناول وجبة واحدة يومياً من معجون الفول السوداني.
وكيف تحول عطره المفضل (مايكل انجلو) الى عطر آخر تنفثه الكهوف المظلمة والزنازين الانفرادية؟
وكيف تحولت تلك الايدي الناعمة التي لم تتعود ان تمسك قضيبا خفيفاً الى أيدٍ خشنة اثرت ان تحمل رشاش عيار 70 لمواجهة اكبر قوة في العالم.
معتقل غوانتاناموا الذي اقتيد اليه (وسيم الامس) مجبراً ان يتذوق فيه النتن ومواجهة حراسه الاشداء انذاك تصبح كتابة الرواية رحمة تتطلب مصادقة القلم وفنجان القهوة وتعاكس الورقة البيضاء وتتحرش بها لأن الصديق القديم يقبع في قبو موحش خلف البحار البعيدة.
وبين أمل يضيء وآخر يخبو تصبح الكتابة في الامور المحظورة ابجدية يستهجنها الآخرون لأنها تغريد خارج السرب وحروف لا تخلو من مخاطر كان آخرها استجواب من السلطات المحلية كاد ان يحترف بعده طعام الزنازين الخشن وروائحها العفنة.
في مكان آخر بحثت الحبيبة عن عشيقها القديم مراراً لكنها اخطرت انه احب فتاة اخرى كلفته ان يلتقيها على جبال تورا بورا التي تحولت مؤخراً الى سجن ضيق يخلو حتى من الهواء. الرواية هي الثالثة للزهراني وتوزعت الى أقسام عدة: شجون- قبل الرحيل- جحيم جانجي- x-ray- وسائل.
ووقعت في 188صفحة من القطع الوسط عن دار رياض الريس وكان قد صدر للمؤلف روايتان: «ايفة» والصراع الدامي عن دار المحمدي.
<<الصفحة الرئيسية









